لعل الذكرى الأولى لإسقاط الأسد مناسبة للتذكير بأنه سقط حقاً. ومهما بدا هذا الاستهلال غريباً فمن المؤسف أنه حقيقي بقدر ما هنالك من سوريين غير مقتنعين، أو لا يريدون الاقتناع، بأنه سقط. لقد سقط. ومن المؤسف أن نحتاج، مجازاً وفعلاً، إلى الصراخ بهذه العبارة للتذكير بما يُفترض أنه بغنى عن ذلك.
تأخّرَ سقوطه؛ كان يجب أن يسقط بين صيف وخريف العام 2012، عندما صارت قواته في أسوأ أحوالها على مشارف دمشق، ثم كان يجب أن يسقط في صيف العام 2015، وفي المرتين أتاه الدعم الخارجي لينقذه بقوات من بعض الدول وإرادة من بعضها الآخر. الإشارة إلى التاريخين السابقين متصلة بالوضع العسكري، أما من حيث الشرعية فهو لم يكن شرعياً في الأصل، وإذا كان كذلك فقد خسر شرعيته مع انطلاق الثورة.
في كل أحواله، السقوط حدثٌ كان محتّماً، لأن البقاء إلى الأبد أو إلى يوم القيامة غير وارد، وحكم الأسد استهلك زمنه وأكثر. بهذا المعنى، لا يفيد التحسُّر على زمنه، إذا كان هناك من يتحسّرون، وقد كانوا قلّة يوم السقوط. وأن يزيد عددهم بسبب وقائع السنة الأخيرة فهذا مؤشّر بائس على أحوال الحاضر، لكنّه غير نافع لأن الأسد لن يعود، ويجب التعاطي مع الواقع انطلاقاً من هذه القناعة.
إن كان هناك من يتطلّع إلى عودة الأسد، فعليه الاقتناع بعدم وجود فلول له يساعدونه على العودة. "الفلول" في الأصل كلمة استُخدِمت في مصر للإشارة إلى مناصري العهد السابق على عهد الرئيس محمد مرسي، بالتوازي مع استخدام مفهوم "الدولة العميقة" للدلالة على وجود أنصار العهد السابق في مفاصل الدولة، والجيش والمخابرات على نحو خاص. لقد كان هؤلاء في مصر يُعدّون بالملايين، فضلاً عن وجودهم وتأثيرهم المجتمعي. إن بضعة آلاف لا يشكّلون فلولاً بهذا المعنى، حتى إذا كانوا مسلّحين بأفضل الأسلحة الفردية، وليسوا مؤهّلين لتكون لهم حاضنة اجتماعية حقيقية، أما دفْعُ مجموعات أهلية للتعاطف معهم بداعي اليأس فلن يزيد في خطرهم بل يضعفهم ويعزلهم عن الإطار السوري العام.
التهويل من الخطر المزعوم للفلول لم يأتِ من جهتهم؛ بل أتى من السلطة ومناصريها، خصوصاً أثناء وبعد ارتكاب مجازر الساحل. وبالمقارنة مع الحالة المصرية، فالكلام عن الفلول والدولة العميقة سيرتدّ على السلطة نفسها. فمن المعلوم أن الأخيرة منذ اليوم الأول لإسقاط الأسد حلّت كافة المؤسسات العسكرية والأمنية التابعة له، ثم لم تتأخر في السيطرة عبر مشايخها على معظم المفاصل الحكومية، بحيث أن الحديث اليوم عن دولة عميقة هو حديث عن السلطة الحالية، بجيشها الذي نذكر منه تحديداً آلاف المقاتلين الأجانب الذين هم بمثابة انكشارية محدثة، وأيضاً بمؤسساتها الأمنية الجديدة والسيطرة على المؤسسات الحكومية المدنية.
التذكير بالدولة العميقة الجديدة يبدو ضرورياً أيضاً ليقتنع أنصار السلطة الحالية بأن الأسد قد سقط تماماً وكلياً، وهذا يجب أن يطمئنهم إلى استتباب الوضع لهم بلا منافسة. وإذا احتاجوا مزيداً من التطمين يمكنهم استرجاع الشكوى الرائجة خلال حوالى عقد ونصف من أن الأسد يحظى برعاية دولية تمنع سقوطه، ومقارنة تلك الشكوى باعتزازهم اليوم بشبه الإجماع الدولي الذي تناله السلطة الحالية، أي أن الأخيرة في الحد الأدنى غير مهدَّدة خارجياً. أما ضمن المنظور والملموس، فهي تحظى برعاية خارجية تذكّر بالحفاوة التي لقيها بشار الأسد في بداية حكمه لا في نهايته. بل لا مغالاة في القول إنها تحظى برعاية أكبر، ولمبررات عديدة جعلت القوى الدولية تتغاضى عن مجازر الساحل والسويداء.
لقد سقط الأسد. هذا ما يترتّب على أنصار السلطة قبل غيرهم فهمه، وأول ما يترتّب على الفهم مغادرةُ ذلك الإحساس بأنهم في خطر، فالحق أنه لا خطر على سوريا ولا عليهم من الخارج، ولا خطر عليهم أيضاً من الداخل. نضيف أنه لا خطر على وحدة البلاد، فالخارج الداعم للسلطة لا يريد تقسيم سوريا، إن لم يكن كرمى لها فلأن تقسيم سوريا سيؤدي إلى إعادة رسم خريطة شرق المتوسط كله، ولا دلائل على أن القوى الدولية تسعى إلى ذلك، ولا مؤشّرات إلى أن القوى الإقليمية تستشعر خطراً محدقاً، تحديداً تركيا.
نذكّر بأن الأسد سقط، على نحو خاص أولئك المستمرينَ في الاستثمار في جرائمه. ولا شك في أن أكبر سيئات الأسد وصوله إلى مستوىً نادر من الإجرام، وهذا ما يجعل المقارنة معه رابحة بلا أدنى جهد. لقد رأينا بعد الثورة الكثير من المعارضين الذين استخدموا جرائم الأسد لتغطية مساوئهم، والنهج نفسه لا يزال مستمراً في مواجهة أي نقد يطاول السلطة الحالية. إذ سرعان ما ينبري المدافعون عنها للتذكير بجرائم سلفها، إما على سبيل التخويف المبطّن بعودة الأسد، أو على سبيل التهوين من انتهاكات السلطة الحالية. بعض المثقفين المدافعين عن الانتهاكات لا يقصّر في استدعاء أي نموذج أسدي من تجارب بلدان أخرى، أيضاً بهدف التهوين من الانتهاكات، وكأنّ مثقفي تلك البلدان كانوا يباركونها أثناء حدوثها.
لقد قيل وكُتب الكثير عن جرائم الأسد، ولا يزال بعضها أو أبعادها يظهران يومياً. ويبدو أن هناك مَن بحاجة للتذكير بأن الأسد سقط، وحان وقت معالجة آثار تلك الجرائم، بدءاً من التقدم في ملف العدالة. نحن إزاء ملف شديد الحساسية والإلحاح، فمداواة جراح أهالي الضحايا تقتضي تحديد المجرمين بدقة، والوفاء لدماء الضحايا أنفسهم يقتضي أيضاً ألا يُقتَل بريء كما قُتِلوا من قبل. التهاون إزاء مقتل الأبرياء، وترك المجرمين طلقاء مع التجريم والعقاب الجماعيين، هو سلوك أسدي.
في الواقع لدينا، لمن يشاء، قائمة مما هو أسدي، فلا يقتصر الأمر على قتل أو اختطاف أبرياء. فالاستفراد بالسلطة هو سلوك أسدي، ومظاهر تقديس الفرد هي أيضاً سلوك أسدي، ومحاولات كمّ الأفواه من قبل موالي السلطة هي أيضاً سلوك أسدي. مفهوم الموالاة نفسه هو ضمن الأرومة، لأننا نرى كيف كان الولاء (ولا يزال) مانعاً من النقد، عند أصحابه أولاً قبل الخصوم.
بسبب كل ما سبق نعود للتأكيد على أن الأسد سقط، ومن الضروري الخلاص من الوضع الشاذّ الذي ساد منذ سنة، وفحواه أن الذي يرون أنفسهم منتصرين يرفضون الإقرار الحقيقي العميق بسقوطه، لأنهم غير مستعدين لإعلان موت الأسدية ودفنها، بينما يتلهف لدفن تلك الحقبة بكل مظاهرها أولئك الذين يدركون معنى الانتصار، وحتى كثر من الذين شعروا أنهم كانوا في الجهة الخاطئة، أو من الذين صبروا على ضيم الأسد وظنوا أن الفرصة باتت مواتية ليكونوا أحراراً.
صبيحة الثامن من كانون الأول/ ديسمبر الفائت سقط بشار الأسد، ومن المؤسف بعد سنة من ذلك التاريخ ألا يكون أكثر سقوطاً مما كان عليه حينها.
