في سبعينيات القرن الماضي، كان زميل الدراسة في موسكو، ممن يسمونهم "الشوايا" في سوريا، يحدثني عن صورة لبنان في مخيلة "كل سوري": "تحت كل سجرة بلبنان في صبية عم تغني وترقص". لكن "الدني تغيرت بهاك الدني"، على قول الست فيروز، وأصبح اللبنانيون يغبطون السوريين على الكثير الذي أحرزوه خلال سنة واحدة من طرد الطاغية وأسياده الإيرانيين وأذرعهم. وأصبح ترامب مستعداً لاستدعاء نتنياهو إلى واشنطن ليقول له، من بين أمور أخرى، "لا تعرقلوا تقدم سوريا".
وعلى الرغم من المخاوف التي تبديها نخب سورية على مستقبل تطور البلاد، في ظل قيادة سوريا الإسلامية الحالية، إلا أن هذه القيادة خاضت حتى الآن عدة جولات من المفاوضات "غير المباشرة" مع إسرائيل. كما أثبتت أنها قادرة على إسقاط الجنسية السورية عن حوالي مليوني شخص من الإيرانيين وأتباعهم من الميليشيات الشيعية، والتي حصلوا عليها أثناء الاحتلال الإيراني لسوريا.
هذا في حين أن القيادة اللبنانية التي وصلت إلى السلطة بدعم أميركي وأوروبي غير مسبوق، وجدت نفسها "مضطرة" لتقديم شبه اعتذار لحزب الله وجمهوره عن تكليف سياسي مدني بترؤس الوفد اللبناني في لجنة مراقبة وقف إطلاق النار. وقامت قيامة حزب الله ضد تعيين سيمون كرم، ونظم مظاهرة دراجات نارية لم تتخط حدود الضاحية الجنوبية. لكنها جعلت البعض يبرر التعيين، ويقول بأن لغة التفاوض هي السبيل الوحيد لإبعاد شبح الحرب الإسرائيلية المقبلة، وأن التفاوض ( المباشر أو غير المباشر) مع إسرائيل ليس موجهاً ضد أي من الطوائف.
إيران التي طردتها سوريا ما زالت تستبيح لبنان. وقد وجد مستشار خامنئي علي أكبر ولايتي في تردد القيادة اللبنانية على الحسم في مسألة حصر سلاح الميليشيات بيد الدولة فرصة سانحة للتحدث بإسم اللبنانيين، ويزعم بأن الحفاظ على سلاح حزب الله أهم بالنسبة للبنانيين من الخبز والماء. ولم ينبرِ للرد عليه من الرسميين سوى وزير الخارجية اللبنانية، واكتفى الآخرون في تقديم ما يشبه الاعتذار عن بدء التفاوض مع إسرائيل، كسبيل وحيد متاح لدرء خطر الحرب الإسرائيلية المقبلة لاقتلاع حزب الله وسلاحه من كافة الأراضي اللبنانية.
ومن خارج سرب القيادة الرسمية اللبنانية، انبرت مقدمة برامج تلفزيونية لبنانية شيعية للرد على وقاحة علي أكبر ولايتي، كما وصفتها صحيفة "أوكرانيا" التي تصدر بالعربية في 27 تشرين الثاني/ نوفومبر المنصرم. وقالت مقدمة البرامج الشيعية يأن نقطة ماء من الليطاني أو العاصي أو البردوني "بتسوى" حزب الله ونظام الملالي وعاصمتهم العطشى المهددة بنقلها إلى مكان قريب من مياه الشرب.
حيال التردد والتخاذل الذي تبديه القيادة اللبنانية في تنفيذ قراراتها بحصر السلاح بيدها،على الرغم من كل الدعم الأميركي والأوروبي غير المسبوق، والذي تحول إلى ضغوط و"تفهّم" للحرب الإسرائيلية المقبلة على حزب الله ولبنان، يجري تقديم سوريا كقارئ واقعي للحقائق على الأرض. وينشغل ترامب في الاهتمام باستقرار سوريا وعدم عرقلة إسرائيل لجهود الشرع في بناء دولة قابلة للحياة والتطور.
موقع vesty الإسرائيلي الناطق بالروسية والتابع لصحيفة يديعوت أحرونوت، نشر في مطلع الشهر الجاري نصاً بعنوان "ترامب أرسل إشارة إلى إسرائيل: لا تعرقلوا تقدم سوريا". واستهل الموقع نصه بالقول إن الرئيس الأميركي عبر مجدداً عن دعمه لنظام الشرع، وهذه المرة على خلفية المعركة الشرسة التي خاضها الجيش لإسرائيلي على الجانب السوري ( بيت الجن في ريف دمشق)، ودعا تل أبيب للحوار مع دمشق. وقال الموقع إن ترامب أرسل إشارة شديدة الوضوح للقيادة الإسرائيلية: الامتناع عن الأعمال التي قد تزعزع نظام أحمد الشرع. واتصل بنتنياهو واستدعاه إلى واشنطن "في أقرب وقت ممكن".
ووفق الموقع، كتب ترامب على منصته الخاصة Truth Social في أول الشهر الجاري يقول: "نحن سعداء للغاية بالنتائج التي تحققت في سوريا، ونبذل كل ما في وسعنا لتمكين الحكومة السورية من بناء دولة مستقرة ومزدهرة". ولم ينس ترامب "أنا" الفاقعة التي تميزه، فأضاف قائلاً: "السوريون محظوظون جدًا برفعي العقوبات، وأنا متأكد من أنهم يُقدّرون هذه الخطوة تقديرًا كبيرًا. ومن الضروري أن تواصل إسرائيل حوارًا جادًا وهادفًا مع الجانب السوري، إذ لا ينبغي لأي شيء أن يعيق تطور سوريا".
وفي حين لا تبخل إدارة ترامب ومبعوثيها بتوجيه الانتقادات والاتهامات للقيادة اللبنانية بتفويت الفرصة المتاحة للبنان، لاتخاذ القرار الحاسم بجمع السلاح من الأيدي التي تعبث بأمن البلد ومصيره، يكيل ترامب المديح والثناء على الشرع. فيضيف على منصته الخاصة بالقول "إنه (الشرع) يعمل بنشاط لبناء علاقات طويلة الأمد ومثمرة مع إسرائيل. وهذه فرصة تاريخية للبناء على النجاحات التي تحققت بالفعل في الشرق الأوسط".
يذكّر الموقع الإسرائيلي بأن ترامب أغدق الثناء على الشرع حتى قبل دعوته إلى البيت الأبيض. وظهرت تعليقاته الإيجابية حول الرئيس السوري الجديد بعد سقوط نظام بشار الأسد أواخر العام المنصرم. كما يذكّر باللقاء الأول مع الشرع في الرياض في أيار/مايو المنصرم، وبزيارته للبيت الأبيض أوائل الشهر الماضي وقول ترامب فيه: "أتفق معه تمامًا. وأنا واثق من أن هذا الرئيس السوري مناسب تمامًا لمنصبه".
الموقع العبري الروسي lechaim.ru أشار في 16 المنصرم إلى أن حاخام الجالية السورية في نيويورك يوسف حمرا أعلن أنه سيدلي بشهادته أمام الكونغرس الأميركي، الذي سيبحث في الأسبوع التالي لتاريخ نشر النبأ في إمكانية رفع عقوبات "قانون قيصر" عن سوريا.
ونقل الموقع عن مؤسسة التراث اليهودي السوري، أن الحاخام حمرا يعتزم إبلاغ المشرعين الأميركيين بأن العقوبات لا تزال تسبب أضراراً جسيمة للاقتصاد السوري، وتعيق ترميم المواقع الدينية والثقافية اليهودية، وتحول دون الحفاظ على آخر بقايا الوجود اليهودي الذي يعود تاريخه إلى قرون مضت في سوريا.
وأشار الموقع إلى أن يوسف حمرا هو شقيق أبراهام، آخر حاخام للطائفة اليهودية قبل هجرتها النهائية من سوريا. وهو يحاول إحياء ما تبقى من عناصر الحياة اليهودية في عهد الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع، الذي التقى باليهود السوريين خلال زيارته للجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر الماضي، وحصل على مباركة الحاخام خلال زيارته إلى واشنطن.
صحيفة الأعمال الروسية الكبرى vedomosti نشرت في 12 الشهر المنصرم نصاً عنونته بالقول "ماذا سيؤدي إليه التخفيف الجزئي للعقوبات الأميركية على سوريا؟".
أشارت الصحيفة في مستهل النص إلى أنه لا تزال قائمة القيود الاقتصادية المفروضة على بشار الأسد وحاشيته وتجار المخدرات و"الجهات الفاعلة الإقليمية المزعزعة للاستقرار".
تستطرد الصحيفة في الحديث عن العقوبات الجزئية التي رفعت عن سوريا، وعن التسهيلات في عمليات التصدير الأميركية، بما فيها جميع الخدمات "التي تساعد في سلام سوريا وازدهارها". وتقول إن واشنطن تواصل البحث في رفع إسم سوريا عن قائمة الدول الممولة للإرهاب.
نقلت الصحيفة عن المحاضر في معهد الإستشرق التابع لمدرسة الاقتصاد العليا أندريه زيلتين (Andrey Zeltyn) قوله إن الولايات المتحدة تحاول إخراج روسيا من الشرق الأوسط باستخدام العصا والجزرة. ويرى أنه، من الناحية النظرية، ومن أجل الحفاظ على الفوائد المالية والاقتصادية المحتملة من الولايات المتحدة، ستكون السلطات السورية مستعدة حتى للقطيعة التامة مع موسكو.
