الادعاء أن السياسات الأميركية الخارجية في ظل ولاية ترامب، هي سياسات انعزالية، أمر تدحضه الوقائع. بعد حرب الاثني عشر يوماً على إيران، والتي شاركت فيها الولايات المتحدة بشكل مباشر، يبدو إعلان الحرب على فنزويلا أمراً مفروغاً منه، والتوقيت وحده هو موضع التساؤل.
بالفعل، هناك حرب ذات قوة نيرانية منخفضة تدور في الكاريبي والمحيط الهادي، حيث يشن الطيران الأميركي غارات شبه دورية، استهدفت منذ مطلع أيلول/ سبتمبر 22 مركباً، وسقط ضحيتها 83 قتيلاً. "الحرب على المخدرات" هي المرادف اللاتيني لـِ "الحرب على الإرهاب" في قاموس العدوانية الأميركية. لطالما شنت واشنطن حروبها على شعوب القارة اللاتينية باسم الحرب على المخدرات، وتعود اليوم للتلويح بغزو فنزويلا تحت المظلة نفسها. قبل ذلك، أضاف ترامب الحرب على المهاجرين إلى أهداف عملياته اللاتينية. كان ابتزاز المكسيك عبر التهديد بفرض تعريفات جمركية عالية، مستنداً إلى الحجتين، المخدرات والهجرة غير الشرعية. حرب التصريحات بين واشنطن وبوغوتا، حول طائرات الترحيل من الولايات المتحدة المحملة بمواطنين كولومبيين انتهت سريعاً بتراجع الرئيس الكولمبي غوستافو بيترو. وذلك بعد تلويح ترامب بورقة التعريفات الجمركية أيضاً. في بند الحرب على الهجرة، تقدم السلفادور تحت قيادة رئيسها اليميني نجيب أبو كيلة مستعمرات للعقاب، تستقبل المرحلين من الولايات المتحدة. تدريجياً تبني واشنطن شبكة لوجيستية لأعمال الخطف والترحيل والاحتجاز، تستهدف بالأساس المهاجرين اللاتينيين.
الحال أن سياسات ترامب الانعزالية لا تعني انسحاباً من العالم، بقدر ما تشير إلى تغيير في خريطة الأولويات. لكن التدخلية الأميركية تتعمق بلاشك. تنبش واشنطن في أرشيفها الإمبريالي ليكتمل مثلث حروبها اللاتينية بإضافة الحرب على الشيوعية، جنباً إلى جنب مع الحربين على المخدرات وعلى الهجرة. في عقدي السبعينيات والثمانينيات، كانت مقاومة التأثير السوفياتي في منطقة النفوذ الأميركي، وفق "مبدأ مونرو"، هي المحرك الأساسي لسلسلة الانقلابات العسكرية الدموية والمدعومة أميركياً في القارة اللاتينية. اليوم، أضحت مكافحة النفوذ الصيني واحدة من أبرز محركات التدخلية الأميركية الجديدة في شؤون جيرانها الجنوبيين.
تضم الإدارة الأميركية الحالية عدداً من الصقور ذوي الأصول اللاتينية، ممن يضمرون العداء للحكومات اليسارية في القارة، وعلى رأسها حكومتي كوبا وفنزويلا. ومن بين هؤلاء، وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو. لا عجب إذن في أن تكون واحدة من أولويات السياسة الخارجية الأميركية، هو تشذيب الحديقة الخلفية. في البداية، أشارت التسريبات المتعمدة إلى أن ترامب يسعى إلى نصيب أكبر للشركات الأميركية في الكعكة النفطية الفنزويلية. أما الآن، فالتقارير التي قد تكون جزءاً من خطة الحرب، تشير إلى أنه لن يقبل سوى بتغيير النظام في كاراكاس. وكأن فنزويلا هي عراق آخر. دولة أنهكتها العقوبات الأميركية الطويلة، ونظامها قمعي يفتقد إلى الشعبية في الداخل، ومنبوذ من جيرانه. ولهذه الأسباب، تعد فنزويلا النقطة الأضعف في الجسد اللاتيني، والأسهل مهاجمتها من دون ردود أفعال قوية من دول الجوار.
لا تقتصر دائرة العدوانية الأميركية على فنزويلا وحدها. ما زالت بنما واحدة من أهداف الابتزاز. فعلاوة عن تصريحات ترامب المتكررة حول فرض السيطرة الأميركية على قناتها، وضع وزير الخارجية الأميركية في زيارة له في شباط/ فبراير هذا العام، شروطاً تتعلق بالاستثمارات الصينية في البلاد. في بوينس آيرس، تدخل ترامب على نحوٍ مباشر عبر ضخ 20 مليار دولار في البنك الوطني الأرجنتيني، لدعم حليفه، الرئيس اليميني المتطرف، خافيير مايلي، في انتخابات التجديد النصفي للبرلمان. كانت المعادلة حاسمة، أما التصويت لمايلي أو الإفلاس، وصوت الأرجنتينيون ضد الإفلاس. في البرازيل، مارس ترامب ضغوطاً من نوع آخر، وذلك بغية وقف تنفيذ حكم السجن ضد الرئيس السابق، جايير بولسونارو، والمعروف بلقب "ترامب الاستوائي". لكن الضغوط الأميركية جاءت بنتائج عكسية في هذه الحالة، حيث ارتفعت موجة من العداء ضد الولايات المتحدة، وبدأ بولسونارو في تنفيذ عقوبته قبل أسبوع.
هكذا لا تبدو الحروب الهجينة التي تشنها إدارة ترامب في القارة اللاتينية مضمونة النتائج، لكنها بلا شك أضحت واحدة من أوليات الإدارة الأميركية الحالية.
