صندوق بويا وشتائم طائفية في ذكرى ردع العدوان

عمر قدورالثلاثاء 2025/12/02
Image-1764624251
دوامة لا تنتهي من الانتهاكات المتبادلة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

ما شهده الشارع السوري في الأسبوع الأخير غير مطمئن على الإطلاق. فيوم الثلاثاء الفائت شهد الساحل السوري تظاهرات لعلويين غاضبين من سلوك السلطة، الذي يرونه تمييزاً ضدهم. ومن الواضح أن المتظاهرين كانوا متعددي المشارب، بين الذين يطالبون بالعدالة والكرامة والمدفوعين باصطفاف طائفي، وصولاً إلى المطالبين بالفيدرالية. تعامل الأمن العام مع التظاهرات السلمية على نحو سلمي أيضاً، وهذا هو المطلوب في الساحل وفي مختلف المناطق السورية؛ إذ يُفترض أن تكون حماية حق المواطنين في التعبير جزءاً من مهامه.

 

نال الأمن العام الثناء من حاضنة السلطة، إلا أن الحاضنة نفسها بادرت بعد ساعات إلى تنظيم تجمعات شتم المشاركون فيها العلويين، وتخللتها اعتداءات على بعض الممتلكات بهدف الترويع والترهيب. بل وصل الأمر إلى الحاضنة في الشتات الأوروبي، وكان تسجيل الفيديو الخاص بتجمع مدينة دورتموند هو الأشهر أوروبياً لجهة شتم العلويين. ثم أتت دعوة الشرع إلى الاحتفال بذكرى انطلاق عملية ردع العدوان قبل سنة، وشهد يوم الجمعة مسيرات هي ابنة السجال والنكايات أكثر من الطابع الاحتفالي المنتَظر، وكانت الدلالة الأبرز على ذلك رفعُ أحد المشاركين صندوق بويا بغرض إهانة الأكراد.

نالت الإهانة الموجَّهة إلى الأكراد إدانة واسعة نسبياً، لكن سرعان ما عادت الحاضنة إياها للتصويب، من منطلق أن التجاوزات تحدث من جميع الأطراف. فثمة أمثلة، وهذا صحيح، على أكراد لم يقصّروا في توجيه الإهانات إلى العرب، وعلى تجاوزات قامت بها ميليشيات محلية في السويداء، آخرها حلاقة لحية معتقل بما يذكّر باستخدام المقصّات من قبَل القوات الأمنية والفزعات التي هاجمت أشرفية صحنايا في أواخر نيسان والسويداء في منتصف تموز.

 

وفق المنطق السابق، الانتهاك الذي يحدث في جهة ما يبرر نظيره لدى الجهة المقابلة، هكذا في دوامة لا تنتهي من الانتهاكات المتبادلة. وهذا المنطق يبرر لمؤثّرين ضمن حاضنة السلطة المواظبةَ على ضخّ الشتائم تجاه الدروز والأكراد والعلويين، والبعض منهم مقرَّب من دوائر السلطة بما يكفي لفهم إشاراته على أنها بموافقة منها. إلا أن المنطق نفسه يتجاهل ما يسوّقه أصحابه لجهة أنهم "الدولة"، وينطقون باسمها، وأن مَن ينطق باسم الدولة يُفترض به ألا يتكلم من موقع الطرف على قدم المساواة مع الأطراف الأخرى. الأمر هنا لا يتعلق بأن يتحلّى طرف بأخلاقيات لا يتحلّى بها طرف آخر؛ بل بالدولة نفسها، فالوجود في موقع الحكْم يرتّب على السلطة وحاضنتها التعاطي بمنطق الدولة التي هي للجميع، لا لطرف واحد.

 

في الديموقراطيات، وبعد خوض معارك انتخابية شرسة، يخرج الطرف المنتصر ليقول إنه لم يعد طرفاً، وسيسعى إلى تمثيل الجميع. في الديموقراطيات أيضاً، وفي الأوقات الحرجة وطنياً، يلجأ القادة إلى تشكيل حكومات وحدة وطنية، ليكون الجميع شركاء في القرارات المصيرية. في المقابل، شهد السوريون خلال ستة عقود معنى أن تكون السلطة طرفاً يحتكر الفضاء العام، وشهدوا منذ انطلاق الثورة معنى أن تكون السلطة طرفاً محارِباً إبادياً، والأخطر أن تعمل هذه السلطة على ترسيخ الانقسام المجتمعي وتنجح في مسعاها لجعل الاحتجاجات ضدها مدخلاً لصراع أهلي.

إن مواجهة شارع بشارع تعيد إلى الأذهان مسيرات التأييد التي قوبلت بها التظاهرات في الشهور الأولى للثورة، والفزعات والنفير العام يعيدان إلى الأذهان لجان الدفاع الوطني التي أُنشئت كرديف لقوات الأسد. منطق الدولة يقتضي في حده الأدنى التوقف عن مواجهة شارع بشارع، لأن هذه وصفة للذهاب إلى حرب أهلية. وفي الحد الاعتيادي، (غير الاستثنائي بتاتاً)، يُفترض مواجهة الشارع بالمزيد من حقوق المواطنة وبالمزيد من التشاركية. إن استخدام أي مثال سيء لتشريع مثيله السيء أو الأسوأ لا يعني سوى التبرير لكافة الانتهاكات، والتي لن تتوقف عند حد.

 

مواجهة مطالب الحد الأدنى بالقول إنها منفصلة عن الواقع، وإنها نتاج ديموقراطيات غربية ذات ظروف مغايرة تماماً، هذه الأقوال تفضح الرغبة في عدم المضي إلى الأمام. ولو تحلّى أصحاب هذه الرغبة بالقليل من المعرفة لنظروا إلى النموذج اللبناني الذي يستهينون به عادة، فلبنان يحكمه نظام محاصصة طائفية واضح جداً، وعندما اندلعت الحرب الأهلية في العام 1976 لم تكن الدولة اللبنانية طرفاً في الحرب حتى عندما حدثت انقسامات في صفوف الجيش اللبناني. وطوال سنوات الحرب واصلت الدولة اللبنانية القيام بمهامها المدنية، من دون تمييز بين أولئك المتحاربين. أي إن الحد الأدنى من حيادية الدولة إزاء الصراعات الأهلية ممكن، وهو بالتأكيد على النقيض من وجود سلطة تعمل على إزكائها.

والقيام بواجبات الدولة ليس منّة، والتخلص من آثار الأسدية يقتضي إخراجه من الاستثمار الذي يوحي بأنه استثناء. لقد رأينا كيف نُظر إلى قيام رجل أمن بواجبه على أنه ميزة، والأسوأ هو استخدام الشخص نفسه كنموذج جيد يصلح للنكاية بسوريين من مقلب آخر؛ هذا الاستخدام الرخيص إهانة بحق العنصر أولاً الذي كان يمكن استخدامه كنموذج لتشجيع زملائه على الاقتداء به.

 

في كل الأحوال، أن يتعاطى الأمن العام على نحوٍ جيد مع المتظاهرين فهي إيجابية بالتأكيد، إلا أنها لا تحجب واجب الأمن العام في تأمين حماية مستدامة لهؤلاء. إذ من المعلوم أن مظاهرات الساحل انطلقت أصلاً للاحتجاج على واقع مقتل علويين خارج القانون، وبوتيرة مستمرة بلا معالجة أمنية تتناسب مع جرائم تهدد السلم الأهلي. أيضاً في خلفيات التظاهر وجود ممارسات تمييزية متصلة بقرارات إدارية تتعلق بالسلك الوظيفي، فضلاً عن قضايا الاختطاف التي تأخذ في الساحل بعداً طائفياً. 

من المؤسف جداً ما تضمّنه تسجيل تجمُّع دورتموند من شتائم جماعية طائفية، وهو ما حدث في تجمعات أخرى داخل سوريا. لكن استحضارنا تسجيل دورتموند تحديداً لأنه حدث في بلد أوروبي، ولم يسبق له مثيل خلال عقد ونصف من الصراع الدموي ضد سلطة الأسد. علاوة على الاستهجان اللائق به، من المستغرب أن يحدث بعد سقوط الأسد ما لم يحدث أثناء وجوده، مع علمنا بأن التحريض الطائفي ليس بجديد، إلا أنه منذ سنة حتى الآن راح يستقوي بالسلطة الجديدة أكثر مما هو تعبير عن واقع موجود أصلاً.

 

أثناء التقدّم السريع لقوات ردع العدوان، قبل سنة، استطاعت إعطاء الإيحاء بأن الحفاظ على السلم الأهلي في رأس أولوياتها، وقدّم عناصرها نموذجاً طيباً عن التعامل مع المدنيين، ليبدو إسقاط الأسد كأنه نصر لغالبية السوريين بصرف النظر عن منابتهم المذهبية. هذه الروحية لم تتراجع؛ بل تم التخلي عنها عمداً، بالرغم من كل ما سبّبه ذلك وما يعد به من مصائب. كان يمكن للاحتفال بذكرى انطلاق "ردع العدوان" أن يكون جامعاً، لو حضرت نية استعادة تلك الروحية، بدلاً مما يُنذر به القول: لم يكن بإمكان السلطة أفضل مما كان.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث