زيارة البابا بولس السادس العابرة إلى لبنان في العام 1964، وهو في طريقه إلى الهند (في مكان آخر، إلى الديار المقدسة)، قد تكون الزيارة الوحيدة لحبر أعظم ولبنان لا يعاني من أزمة تطال وجوده. وخلال توقفه في مطار بيروت التقى حينها البابا بالرئيس فؤاد شهاب وممثلي الطوائف اللبنانية، وتوجه إلى المستقبلين بكلمة استهلها بالقول " لبنان -وكم يسعدني أن أقول هذا هنا- يأخذ مكانه المشرف بين الأمم"، وفق الموقع الرسمي للفاتيكان باللغة الروسية في الأول من تموز/ يوليو 2021.
بعد سنوات قليلة من تلك الحقبة التي شغل فيها لبنان "مكانه المشرف بين الأمم"، بدأت جلجلة لبنان مع "اتفاقية القاهرة" المشؤومة التي كرست لبنان الأرض العربية الوحيدة المباحة للعمل المسلح ضد إسرائيل. وفتحت الاتفاقية أبواب جهنم الحرب الأهلية، وأصبحت طريق القدس تمر عبر جونية. واستنجد الغرب بنظام الأسد ليحمي لبنان من الفلسطينيين ومن بعضهم بعضاً، فكان أن حول لبنان إلى محمية ترد الصواعق عن سوريا التي كان قد اختطفها.
في ظل الوضع الذي غدت فيه الشكوك تحيط بإمكانية الحفاظ على وجود لبنان "أمة تأخذ مكانها المشرف بين الأمم"، جاءت زيارة البابا يوحنا بولس الثاني في العام 1997 ليرفع مكانة لبنان من وطن إلى "رسالة" يجب الحفاظ عليها كما الرسائل المقدسة، بعد أن كاد العدو والشقيق يمزقها ويطبق على وجود لبنان كوطن.
وإلى أن جاءت زيارة البابا بنديكتوس السادس عشر إلى لبنان في العام 2012، كان وجود لبنان "أمة تأخذ مكانها المشرف" قد أصبح أقرب إلى الخيال منه إلى الواقع. فقد كانت إيران قد أطبقت بذراعها اللبناني، حزب الله، على لبنان في حرب العام 2006 وما تبعها من احتلال بيروت ومحاصرة مقر الحكومة وانتشار القمصان السود، وثبتت ذلك "قانونياً" في اتفاق الدوحة.
زيارات أحبار الفاتيكان إلى لبنان، ما عدا زيارة العام 1964، لم تجر أي منها في ظروف آمنة؛ بل، وكما الزيارة الحالية، كان لبنان يمر بأزمات متناسلة تكاد تقضي على وجوده كدولة. ومع ذلك لم يتردد الأحبار في القيام بزياراتهم، على الرغم من كل الظروف المحدقة بأمنهم الشخصي، والتي يدركونها تماماً. وكان معبراً رد البابا ليون الرابع عشر على سؤال الملكة الأردنية رانيا أثناء زيارتها مع زوجها الملك عبدالله الثاني للفاتيكان قبل حوالى الشهر، حين سألته "هل تعتقدون أن السفر إلى لبنان آمن"، فرد عليها "... نحن ذاهبون".
من المعيب القول بأن الفاتيكان لا يقدر حق التقدير المخاطر المحدقة بزيارة البابا، خصوصاً من قبل أدوات الخارج في الداخل. وذاكرة الفاتيكان تحتفظ بالتأكيد بقائمة المخاطر التي كانت تحدق بالزيارتين السابقتين لخليفة بطرس الرسول إلى لبنان، ولم ينطل عليها تودد حزب الله في الرسالة الموجهة للبابا للضغط على المجتمع الدولي لإجبار إسرائيل على وقف إعتداءتها على لبنان. كما لم ينطل عليه ترحيب أيفاع الحزب في استقبال ليون الرابع عشر. فالفاتيكان يذكر بالتأكيد ممن جاء البابا لينقذ لبنان منه في العام 2012، ويذكر اليافطات التي غطت طريق المطار وتقول "أهلاً بكم في وطن المقاومة" وليس في لبنان، حسب موقع الخدمة الروسية في BBC في 14 أيلول/ سبتمبر 2012.
كما من السذاجة أيضاً التعليق على رد ليون الرابع عشر بأن الفاتيكان لا يملك قراره النهائي؛ بل يحكمه التوجه الغربي الذي يدفع الأحبار إلى المخاطرة بحياتهم الشخصية. كما لا يقل سذاجة أيضاً القول بتجرد قرار الفاتيكان، بما فيه بشان الزيارات، من التأثير السياسي للتوجه الغربي العام. فحين فُصل الدين عن الدولة، حرص الغرب الكاثوليكي بمعظمه على إبقاء الفاتيكان دولة مستقلة عن المصالح الخاصة بكل من دول الغرب هذا. لكنه حرص في المقابل على أن ينطق الفاتيكان باسم توجه الغرب العام، بغض النظر عن المنبت الشخصي لمن يتولى سدة البابوية في اللحظة المعنية، كما المنبت الأميركي الحالي للبابا ليون الرابع عشر.
التوجه الغربي العام للفاتيكان كان أحد العوامل الذي جعل الكنيسة الأرثوذوكسية الروسية تبتعد عن الزيارة الباباوية الحالية، والتي بدأت من تركيا، مقر البطريركية المسكونية الأرثوذوكسية. وكانت الكنيسة الروسية قد أعلنت انفصالها عن البطريركية المسكونية منذ العام 2018، حين اعترفت الأخيرة بانفصال الكنيسة الأوكرانية عن كنيسة موسكو.
تركيا كانت العنوان الرئيس لزيارة البابا ليون الرابع عشر الحالية، حيث تجمع أنقرة بين الهدفين الرئيسين للزيارة: الحوار الكاثوليكي الأرثوذوكسي القديم، للتغلب على الانفصال التاريخي بين الكنيستين، والحوار المسيحي الإسلامي القديم أيضاً، والذي يتزايد أهمية في الوضع الجيوسياسي العالمي الراهن. وترتيبات الزيارة الباباوية الحالية لكل من لبنان وتركيا، كانت قد وُضعت منذ فترة طويلة، على أن يقوم بها البابا الراحل فرانسيس في أيار/ مايو المنصرم.
كان من الطبيعي أن يتابع الإعلام في العالم وقائع الزيارة الباباوية الحالية، ويرافقها بالتحليل والتعليقات المتباينة. فقد نشر موقع الخدمة الروسية في دويتشه فيله الألماني DW في 27 المنصرم نصاً استضاف فيه غير خبير ألماني بالشؤون الإسلامية والكنسية.
نقل الموقع عن مؤرخ الكنيسة والخبير في شؤون الفاتيكان يورغ أرنستي (Jörg Ernesti) قوله، إن الزيارات الخارجية أصبحت اليوم جزءًا لا يتجزأ من أنشطة البابا وغدت "ضرورية عمليًا".
كما ينقل الموقع عن الخبير قوله، إن تركيا ولبنان يتفردان بميزة واحدة تجمعهما؛ إذ لأكثر من مئة سنة خلت كان المسيحيون يشكلون نسبة وازنة من السكان: حوالى ثلث السكان في تركيا، وأكثر من النصف في لبنان. أما في الوقت الحاضر، يعتنق المسيحية أقل من واحد في المئة من السكان في تركيا، في حين تصل هذه النسبة إلى ما يقرب من 30% في لبنان.
ينقل الموقع أيضاً عن اليسوعي فيليكس كيورنر (Felix Körner) الذي يصفه بأحد أشهر الخبراء بالشؤون الإسلامية قوله، إن زيارة البابا الحالية إلى تركيا تتمتع بأهمية كبيرة، لكونها الزيارة الأولى للبابا إلى بلد تقطنه غالبية مسلمة. ويرى أن الحوار الإسلامي المسيحي قد اكتسب في الآونة الأخيرة دينامية جديدة سريعة. فقد نشأ في العديد من البلدان جيل من الشباب المسلمين الذين يدركون جيداً أن زعماءهم السياسيين يستخدمون الدين، وخصوصاً الإسلام، للتشبث بالسلطة واستخدام الوسائل العنيفة كوسيلة لتدعيم النظام غير العادل.
ويرى كيورنر أن زيارة البابا ليون الرابع عشر تتمتع بأهمية كبيرة أيضاً بالنسبة إلى بلد متعدد الأديان والطوائف، لكن ليس من دين رسمي للدولة. ويعتقد أن 60% من اللبنانيين مسلمون، و30% منهم مسيحيون، إضافة إلى الدروز والعلويين. ويشير إلى النظام الطائفي اللبناني وكيفية تقاسم مواقع السلطة بين الطوائف، ويقول إن حزب الله الشيعي المدعوم من إيران يشكل قوة قادرة على زعزعة الأمن والاستقرار في البلاد.
وينقل الموقع عن الخبير ارنستي قوله إن الفاتيكان ينظر إلى لبنان باعتباره "حقل اختبار للتعايش الناجح بين ممثلي الديانات المختلفة". فإذا لم يجد سكانه لغة مشتركة فيما بينهم، يهتز الاستقرار في البلاد، ويربح الجميع من التعاون الإيجابي فيما بينهم. لكنه يستنتج بأن لبنان في وضعه الراهن ليس البلد الأمثل لزيارة البابا ليون الرابع عشر.
