هل من صحوة سوريةٍ بعد الاحتفال بذكرى النصر؟

عمر قدورالسبت 2025/11/29
Image-1764350578
مدة السنة كافية للاحتفال.. حان وقت التفكير
حجم الخط
مشاركة عبر

دعا الشرع السوريين للنزول إلى الشوارع احتفالاً بالذكرى الأولى لانطلاق معركة "ردع العدوان"، التي أُعلنت في حينه كمعركة دفاعية، ثم سرعان ما وصلت "هيئة تحرير الشام"، التي قادت العملية انطلاقاً من إدلب، إلى سدّة الحكم في دمشق. ومن المتوقّع أن المشاعر الاحتفالية تتجاوز أولئك الذين نزلوا إلى الشوارع، وفي الوقت نفسه لن تنتاب هذه المشاعر فئات من السوريين احتفلت بإسقاط الأسد، ثم خُذِلت من السلطة البديلة.

وإذا استعرضنا وقائع السنة الفائتة لا تصعب ملاحظة وجود فئة واسعة ممّن حافظوا على الزخم الاحتفالي لأيام ردع العدوان ثم السقوط، بحيث لا يريدون أي كلام ينغّص عليهم هناءتهم. اعتراضهم لم يكن فقط على أية خصومة مع السلطة الجديدة، بل كانوا ضد أي نقد من أي نوع، تطبيقاً لمقولة "أعطوهم فرصة" التي شاعت بعد أيام من إسقاط الأسد، وبقيت سارية بكلمات وصياغات مختلفة تؤدي الغرض نفسه. على سبيل التأكيد، كانت هذه المقولة موجَّهة إلى أصحاب رأيٍ ليس إلا، بينما استنكف أصحابها عن الخوض في استحقاقات المرحلة الجديدة.

 

الاستقالة من التفكير في اليوم التالي على حقبة الأسد بدأت من رواية السقوط، إذ تبنّى هؤلاء أنفسهم تلك الحكاية المبسَّطة عن آلاف المقاتلين الذين انطلقوا من إدلب، وتمكّنوا بلمح البصر من هزيمة الأسد وحلفائه. هكذا صار للنصر طابع لاهوتي يعلو على النقاش والتمحيص، ويكتسب قداسة بحيث يُنظَر إلى أي كلام واقعي، أو متشكك، على أنه تجديف. الرواية المبسَّطة لا تقول شيئاً عن تداعيات "طوفان الأقصى" على الملف السوري، وتغفل عن أن عملية ردع العدوان بدأت تماماً مع سريان وقف إطلاق النار في لبنان. وتتعامى عن أن الوجود الإيراني تبخّر (فجأة) في سوريا، فلم تكن هناك أخبار عن قتال بين قوات ردع العدوان وميليشيات إيرانية، لم يكن هناك أسرى إيرانيين من العاملين مع الحرس الثوري، ولم تُهاجَم السفارة الإيرانية في دمشق من قبل غاضبين صبيحة السقوط، مع تأكيدنا على أن هذه ليست إطلاقاً دعوة لمهاجمة أية سفارة في دمشق.

التفكير في المعطيات الخارجية التي ساعدت على إسقاط الأسد لا ينتقص من أحقيّة السقوط، بل يُكمل ما واظب السوريون على قوله أو فهمه لجهة أن بقاءه كان قراراً دولياً. والأمر لا ينصرف إلى فهم الماضي فحسب، بل إلى فهم الحاضر أيضاً بما أن التدخل الدولي لا يزال سارياً. وطالما بقي الوجود الدولي على هذا الحال فهو سيُترجَم بضعف الداخل السوري، والعكس يصحّ بمعنى أن التدخل في تفاصيل الشأن السوري سينخفض متى تمكّن أصحاب الشأن من إدارة شؤونهم بتشاركية حقيقية لا تهمّش ولا تستثني أحداً، إلا أولئك المُدانين على نحو يجرّدهم من حقوقهم كمواطنين.

 

وكما رأينا سارت السلطة في اتجاه مغاير كلياً على الصعيد الداخلي، فاضطرت إلى الاعتراف بالمسؤولية عن مجازر الساحل ثم مجازر السويداء، ولو أن الاعتراف أتى مواربة بتشكيل لجان تحقيق حكومية. بالتوازي منحت السلطة لنفسها حق احتكار الدولة من خلال الإعلان الدستوري وتبعاته، وأيضاً بالاستحواذ على المفاصل الحكومية المؤثرة لصالح شخصيات من هيئة تحرير الشام ليس لديها الخبرة والمؤهلات الكافيتين، بما في ذلك الاستحواذ على كافة المفاصل المتحكّمة بالاقتصاد السوري.

لقد حدث ذلك كله أولاً تحت مقولة "مَنْ يحرر يقرر"، وهي تعني بالضبط إعطاء السلطة لحملة السلاح، بصرف النظر عن مؤهلاتهم الأخرى، ومن دون إخضاعهم لإعادة تأهيل تتناسب مع مناصبهم. الاعتراف على مضض بمجمل نضالات السوريين وتضحياتهم بقي عند الضرورة، وفي إطار الشعارات التي تنطوي على التكاذب، بينما قوبِل كل رأي ناقد لسيطرة العسكر ولتجاوزاتهم وانتهاكاتهم بأنهم هم مَن حرر البلد، ولولاهم لبقي الأسد... إلى ما هنالك من أساليب تتوخى كتم أصوات أصحاب الرأي. إن ما كان يُقال عن إقامة الدولة المدنية، على علاته، بات بعيد المنال بعدما مُنحت الفرصة والقرار كاملين لتحالف العسكر والمشايخ.

 

النجاح الذي سجّلته السلطة على الصعيد الخارجي منفصل عن الداخل، ولا يخفى أنه أتى أساساً بوساطات وإشراف من قوى إقليمية اجتمعت مصالحها على دعم الحكم الجديد. هناك قوى وازنة إقليمياً دعمت التغيير لأنه يضعف النفوذ الإيراني في المنطقة، وهناك قوى أخرى تريد الاستقرار وإغلاق البؤرة السورية التي كانت تهدد المنطقة ككل عبر الجريمة المنظّمة وصناعة الكبتاغون، تنضم إليها دول أوروبية تريد إغلاق ملف اللجوء. وبالتأكيد هناك قوى أتى التغيير لصالحها، إذ وجدت الفرصة بأن تحلّ ولو نسبياً مكان النفوذ الإيراني في سوريا. تلاقي مصالح القوى الإقليمية مع الإرادات الدولية هو لحظة نادرة لعبت دوراً شديد الإيجابية لصالح السلطة الجديدة، أما استغلالها لصالح البلد فشأن مختلف يتوقف على السلطة.

في كل الأحوال نفترض أن مدة سنة كافية لإظهار نوع التغيير الذي حدث في سوريا، ولإظهار التركة التي خلّفتها عقود من حكم عائلة الأسد، وأيضاً لتبيان التوجّهات الأساسية للحكم الجديد، كما هي فعلياً من خلال مفاصل السلطة. وإذا توخّينا حسن النية والمحاباة، يجوز القول إن السنة الأولى يمكن احتسابها سنة انتقالية ضمن المرحلة الانتقالية، وأن أولئك الذين تسلّموا السلطة اكتسبوا الخبرة اللازمة بالبلد، أو أنهم لن يكتسبوها أبداً، هذا مع التغاضي على رداءة المنطق الذي يطالب بالانتظار حتى يتعرّف هؤلاء جيداً على البلد الذي يحكمونه.

 

لا نعرف تجربة مثيلة في العالم، استُبعد فيها النقاش العام لمدة سنة احتفالاً بالتغيير. كثر برروا هذا الاستثناء بأن البلد يخرج من الاستثناء والاستعصاء الأسديين، ومن حق المحتفلين أن يفرحوا بقدر ما تأذوا وعانوا. لكننا نفترض أن مدة السنة كافية للاحتفال، فلا يُعقَل أن يبقى الاحتفال باقياً إلى الأبد، ونعني تحديداً الاحتفال الذي يمنع التفكير، ونعني بالمحتفلين تحديداً الذين يرون أنفسهم أنصاراً للسلطة الحالية (بتدرجاتهم)، إذ يُفترض أن "مَن حرر قرر فعلاً" و"أُعطي الكثير من الفرص"، وحان الوقت للنظر إليه كمسؤول راشد.

بعد سنة على إسقاط الأسد تستحق الثورة قليلاً من الوفاء، وهو يبدأ فعلياً بأن يمسك السوريون زمام بلدهم، فقد دُفِع ثمن باهظ لاستعادة سوريا وامتلاكها من قبَل السوريين، لا من أجل نقلها من سلطة لأخرى. استعادة سوريا هي الترجمة الحرفية للقول "الحرية مسؤولية"، وإلا تكون الحرية غير مستحقة، ويكون هؤلاء تحديداً قد تنازلوا عن حقوق أبنائهم في بلدهم. إن لم يكن ما بعد الاحتفال ليس كما قبله، فذلك سيكون أسوأ بكثير من صحوة متأخرة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث