من الصعب ملاحقة التطورات المتسارعة التي أعقبت التسريب الأول في 18 الجاري، عن وجود "خطة ترامب" لإنهاء الحرب الروسية على أوكرانيا. مراسل Axiosفي واشنطن، الذي سرب النبأ، لم يذكر شيئاً عن البنود الثماني والعشرين التي تتكون منها الخطة. ووسائل الإعلام التي تمكنت من الإطلاع على بعض تفاصيلها رأت أنها "تعادل استسلام أوكرانيا". وأشارت إلى أن الخطة تمنح روسيا الأراضي الأوكرانية التي لم تحتلها قواتها، ولا تزال تحت السيطرة الأوكرانية.
تجمع وسائل الإعلام على أن النسخة الأولى من الخطة التي لم يكشف عن نصها الكامل سوى بعد أيام من تسريب نبأ وجودها، قد تم وضعها بمشاركة روسيا. ومن الطبيعي أنها كانت تستجيب إلى الحد الأقصى الممكن للمطالب الروسية المعروفة. إذ إضافة إلى منح روسيا الأراضي الأوكرانية التي لم تحتلها، نصت النسخة الأولى على وقف المساعدات العسكرية الأميركية لأوكرانيا. كما تلزم الخطة أوكرانيا على الاعتراف باللغة الروسية لغة رسمية. وكذلك تلزمها بمنح الكنيسة الأرثوذوكسية الروسية الصفة الرسمية الأوكرانية، كما نقل عن الفايننشال تايمز في 19 الجاري موقعdetaly الإسرائيلي الناطق بالروسية.
لم تكن وسائل الإعلام، خصوصاً الروسية، تتقبل بكثير من الثقة فرضية الإعداد الأميركي الروسي المشترك للصيغة الأولى لـ"خطة ترامب". لكن لم يترك مجالاً لأي شك في ذلك ما نشرته Bloomberg في 25 الجاري من تسجيل للتنصت على اتصالات هاتفية بين ستيف ويتكوف ومساعد الرئيس الروسي للشؤون الدولية يوري أوشاكوف، وكذلك بين أوشاكوف ومستشار بوتين كيريل دمترييف. ورأى رئيس تحرير صحيفة روسية معارضة أن من يقف وراء التسريب هم الوطنيون الأميركيون، الذين يحاولون إنقاذ أميركا من الإنحدار إلى مستوى سياسة ويتكوف المجنونة وغير المهنية التي تخدم مصالح بوتين.
وكان دمترييف قد زار أواخر الشهر المنصرم الولايات المتحدة، وأمضى ثلاثة أيام في ميامي، حيث يسكن ويتكوف وجاريد كوشنير، وناقش معهما خطة السلام المقبلة، حسب موقع meduza الروسي المعارض، الذي استعرض في 26 الجاري كل الخطوات التي سبقت ورافقت إعلان "خطة ترامب".
افترض الموقع أن دمترييف حمل معه إلى ميامي وثيقة تحمل المطالب الروسية، والتي تمت صياغتها كمشروع خطة. وأشار الموقع إلى أن رويترز نقلت عن مصادر لم تسمها، أن خطة ترامب استندت إلى وثيقة قدمها الجانب الروسي.
ويقول الموقع الروسي إنه اتضح أن هذه الوثيقة كان قد وضعها دمترييف بعد وصول ترامب إلى البيت الأبيض، وعرض فيها الموقف الروسي، تحسباً لمفاوضات محتملة مع الولايات المتحدة. ويرجح الموقع أن تكون هذه الوثيقة قريبة أو مطابقة لتلك التي أرسلتها روسيا إلى الولايات المتحدة قبل أسبوع، في إطار التخطيط لعقد اجتماع بين بوتن وترامب.
تسارعت في الأيام الأخيرة التطورات، وتكثفت اللقاءات والمفاوضات بين كل الأطراف المعنية، وخصوصاً بين الأوكران والأميركيين، وأسفرت عن تعديل الصيغة الأولى لخطة ترامب واختصار بنودها إلى 19 بنداً. ووجدت القيادة الأوكرانية نفسها "مرتاحة" للصيغة الجديدة من خطة ترامب، إذ يحدوها الأمل بأن تكافئ هذه الصيغة المعتدي الروسي بثمن أقل من ذاك الذي كانت تفرضه الصيغة الأولية. ولا تحسد هذه القيادة على الوضع الذي وجدت نفسها فيه محاصرة بين الداخل الذي شهد فضيحة فساد مدوية وسط الأوساط القيادية العليا (بقي زيلينسكي ومكتب رئاسته بعيدين عنها، أقله حتى الآن)، وأثارت موجة احتجاجات شعبية في شوارع المدن الأوكرانية للمرة الأولى خلال فترة الحرب، وبين الخارج الذي حمل إليها "خطة ترامب" لإنهاء حرب روسيا عليها، لكن بثمن يهدد بالإجهاز عليها كضحية للعدوان.
وتعبييراً عن وطأة الوضع الراهن على أوكرانيا، توجه زيلينسكي بنداء إلى الأوكران دعاهم للتضامن ونبذ الخلافات "في هذا الزمن الذي تجد نفسها فيه أوكرانيا مهددة بضياع استقلالها وحريتها". وشهدت وسائل التواصل الاجتماعي موجة من شرائط الفيديو التي يكرر فيها مواطنون أوكران نداء زيلينسكي.
ألكسندر باونوف (Alexander Baunov)، رئيس تحرير مركز Carnegie موسكو الذي يصدر الآن في برلين، تحدث في نص نشره في 24 الجاري عن رد فعل الكرملين على "خطة ترامب المفخخة" بالعامل الروسي، برأيه.
في معرض حديثه عن اجتماع مجلس الأمن القومي الروسي، المخصص رسمياً للنظر في قضايا المواصلات، لكنه عملياً كان مخصصاً للبحث في الموقف من "خطة نرامب"، قال باونوف إن بوتين، وفي رده على سؤال من أحد أعضاء المجلس، اعترف بأن الخطة هي من بنات أفكاره، "ولكن جزئياً فقط". كما اعترف بأن نص الخطة لم يكن مفاجئاً له، وعلى صلة بما تمت مناقشته في قمة آلاسكا مع ترامب. ويضيف باونوف ناقلاً عن بوتين بسخرية لاذعة تحذيره من أن يظن أحد بأن الإدارة الأميركية قد تلقت النص من موسكو، أو أن ترامب يفرض على زيلينسكي خطة استسلام.
ومن خلال رد بوتين على السؤال، يفترض باونوف تسلسل وقائع ظهور العنصر الروسي في خطة ترامب. فيشير إلى أن روسيا تلقت الاقتراحات الأميركية قبل قمة آلاسكا، مرفقة بطلب التحلي بالمرونة. ويسخر من المرونة كما تفهمها روسيا، والتي برزت في بنود " خطة ترامب" في شرط تخلي روسيا عن الأراضي الأوكرانية التي لم تحتلها، لكنها أدرجتها في دستورها رسمياً. ومن إشارات هذه المرونة أيضاً، عدم مطالبة الخطة برفع العقوبات فوراً، وكذلك المطالبة باستقالة زيلينسكي، "إنها مرونة شديدة".
طرحت "المدن" على خبيرين أوكرانيين معروفين لمتابعيها، بضعة أسئلة تتعلق بتقييم الأوكران لـ"خطة ترامب".
فلاديمير فيسينكو قال إن الخطة بالنسبة لأوكرانيا هي بمثابة فرض استسلام بشكل دبلوماسي ملطف. ومن الطبيعي أن تكون غير مقبولة من "جانبنا، لكننا لم نستطع أن نقول لا مباشرة لترامب"، خوفاً من تدهور العلاقات مع الولايات المتحدة. لكن أوكرانيا أصبحت تعرف كيف تتعامل مع ترامب، وقد نجحت خلال محادثات جنيف في إبطال معظم بنود الخطة غير المقبولة. ولم تعد خطة دميترييف- فيتكوف موجودة بصيغتها السابقة، وما تبقى هو خطة السلام الأميركية، في صيغة أكثر توافقية.
استبعد الخبير زيارة زيلينسكي إلى واشنطن قريباً، وقال بأنه ستسبقها زيارة ستيف ويتكوف إلى موسكو. وتوقع من زيارة الأخير أن تدفع محادثات السلام إلى جولة جديدة قد تستمر لأشهر من المناقشات حول المطالب والإنذارات الروسية.
وعن ما نشرته Bloomberg، قال فيسينكو بأن هذه المكالمات الهاتفية أكدت الشكوك التي سادت منذ مدة طويلة في أوكرانيا وأوروبا (وحتى في الولايات المتحدة) بأن ويتكوف عامل ضغط لصالح الكرملين. كما تأكدت النظرية القائلة بأن ما يسمى الخطة الأميركية للسلام، ما هي إلا خدعة روسية بغلاف أميركي.
وبشأن فضيحة الفساد في أوكرانيا، رأى فيسينكو بأنها تنطوي على خطر إندلاع أزمة سياسية في أوكرانيا. وقد تمكن زيلينسكي حتى الآن من البقاء خارجها، وساعدته في ذلك الصدمة التي شكلتها للأوكران خطة "ديمترييف- ويتكوف".
الخبير الآخر، أوليغ ليسني، قال إن الخطة الأولية قد انتهت، وأوكرانيا تتابع الآن العمل على الخطة الجديدة التي تأخذ بالاعتبار مصالح أوكرانيا ورأي أوروبا. وقال بأن خطة النقاط "الثماني والعشرين" كانت مناسبة جداً لموسكو، لكن كييف نجحت في قلب الموازين وفتح حوار مع واشنطن، "وهذا إنجاز كبير بالفعل".
وعن ما نشرته Bloomberg، قال ليسني إن هذا يشير إلى أن لروسيا نفوذ على من يتخذ القرارات أو يدعمها في الولايات المتحدة.
