يوم الإثنين الماضي، صنفت الولايات المتحدة رسمياً جماعة كارتل دي لوس سوسيس في فنزويلا تنظيماً إرهابياً، كما أضافت الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو إلى قائمة المطلوبين، مدعية عضويته في الجماعة. في اليوم نفسه، وقّع ترامب أمراً تنفيذياً يمهد الطريق لاعتبار بعض من أفرع جماعة الإخوان المسلمين "جماعة إرهابية أجنبية"، مع الإشارة على وجه التحديد إلى فروع الجماعة في لبنان والأردن ومصر.
في الحالتين، يظهر توظيف وصمة الإرهاب الفضفاضة كأداة خطابية- قانونية، تقوم بتحديد خصوم الإمبراطورية وعزلهم. بالإضافة إلى عدة العقوبات الممكن تفعيلها تجاه الجهة المصنفة، ثمة نزع للشرعية عن كافة أنشطتها وعن منتسبيها، بشكل قانوني وعلى مستوى أخلاقي أيضاً. للقرار شبه الإداري التي تصدره دولة واحدة هي الولايات المتحدة، تبعات عالمية شاملة وعابرة للحدود. وبالأخص حين يتعلق الأمر بالتمويل والحسابات البنكية، حيث تهيمن واشنطن بشكل شبه حصري على النظام العالمي للمدفوعات، ويمكن عبر إغلاق نظام سويفت الحكم بالإعدام المالي على الجهة المستهدفة.
في الحالة الفنزويلية، يبرر التصنيف استهداف رئيس الجمهورية مباشرة، بل ولعله يمهد الطريق إلى شن الحرب التي تدق طبولها بالفعل على الدولة الغنية بالاحتياطات النفطية، بينما نتابع الحشد العسكري الأميركي المتصاعد في منطقة الكاريبي. فعلى الرغم من أن السياسة المعلنة لولاية الترامب الثانية هي السلام، إلا أن الانسحاب الأميركي المزعوم من العالم لا يشمل أمريكا الجنوبية، والتي تعتبرها الولايات المتحدة باحتها الخلفية. هكذا، وعبر وصف الإرهاب، يمكن تجريم حكومة دولة أخرى معترف بها.
أما في حالة جماعة الإخوان، فإن إمكانية تصنيفها كجماعة إرهابية يقدم نموذجاً للآليات التي توظفها واشنطن لتحديد ساحة المنافسة السياسية في دول أخرى، عبر الاعتراف بعدد من اللاعبين وإخراج البعض الآخر منها. لكن ما هي المتغيرات الطارئة التي حفزت الرغبة الأميركية المفاجئة لاستئصال الجماعة من عدة دول في منطقتنا؟ لا يمكن الجزم بدوافع القرار. لعل هناك دوافع تتعلق بالسياسة المحلية داخل الولايات المتحدة. فقبل القرار الفيدرالي المتعلق بالجماعة بأقل من أسبوعين، قامت ولاية تكساس بتصنيفها هي ومجلس العلاقات الأميركية الإسلامية (كير) كمنظمتين إرهابيتين أجنبيتين ومنظمتين إجراميتين عابرتين للحدود. وبلا شك، أضحى استهداف الأقليات العرقية والدينية في الولايات المتحدة استعراضاً سياسياً يومياً يتابعه جمهور اليمين الأميركي بشغف. ولعل تجريم منظمات إسلامية داخل الولايات يأتي في هذا المناخ المعادي للأقليات.
تسمية عدد من أفرع الجماعة دون غيرها يدلل على الطبيعة الانتقائية للقرار. وترجح الإشارة إلى تورط الجماعة في مصر ولبنان والأردن في التحريض ضد إسرائيل أو المشاركة في الحرب ضدها، أن يكون للقرار دوافع إقليمية بالأساس. في خضم محاولة إعادة ترتيب المنطقة بعد الحرب الأخيرة على غزة، وبالأخذ في الاعتبار العلاقة التاريخية والأيديولوجية بين الجماعة وحركة حماس، يجري من جديد فرز تيارات الإسلام السياسي وتقسيمها من حيث العلاقة مع الإمبراطورية وبنية التوزانات الإقليمية. هكذا في ما يشبه لعبة الكراسي الموسيقية، تم إعادة تأهيل "هيئة تحرير الشام" في سوريا ونزع صفة الإرهاب عنها، فيما تم نقل الإخوان إلى القائمة السوداء. لا يعني هذا أن الجماعة كانت معادية للولايات المتحدة بالضرورة أو تشكل تهديداً لها. ففي تجربة المشاركة السياسية بعد ثورات الربيع العربي في كل من مصر والأردن وتونس المغرب، تعامل الإخوان مع الولايات المتحدة والغرب بالعموم ببراغماتية.
الحال، أن تصنيف الإخوان في كل مصر والأردن هو تحصيل حاصل، حيث أن الجماعة محظورة بالفعل في البلدين.. والوزن النسبي المتواضع للجماعة في لبنان يجعل من استهدافها هناك بلا قيمة كبيرة. في أفضل الأحوال، يبدو القرار الأميركي مجرد طبع للختم الامبراطوري على الوضع القائم وعلى ترتيبات حلفائها المقربين في المنطقة.
