آخر ما يمكن أن توصف به غارة أمس الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية بأنها كانت مفاجئة، كما أوحى به رد فعل جميع الأطراف المستهدفة، وفي الطليعة منهم المستهدف المباشر، حزب الله بالطبع. ومن المشكوك به أن يكون حتى سكان الضاحية قد فوجئوا بالغارة بعد توقف الغارت منذ أواخر حزيران/يونيو المنصرم، وبدأ كثيرون منهم يغتصبون الأمل بـ"عقلانية" حزب الله. وسكان الضاحية يتساوون في ذلك مع لبنانيين آخرين، وليس غالبيتهم الساحقة، في المراهنة على إمكانية "إقناع" حزب الله بالقليل من العقلانية والعودة إلى لبنانيته. ويُظهر بيان نعوة حزب الله أمس للطبطبائي ووصفه بـ"شهيد لبنان وشعبه" بأنه، من جانب، لم يعد بإمكانه تجاهل رفض اللبنانيين لحروبه المتكررة، وتعب "بيئته" الشيعية من هذه الحروب ودمارها وويلاتها. ومن جانب آخر، يعلن برسم من فقدهم "شهداء لبنان وشعبه" ليس لبننة "مقاومته"، كما توهم البعض، بل الإصرار على مواصلة إبتزاز الدولة اللبنانية وتحميلها مسؤولية ما ارتكبته "مقاومته"، وإيهام البعض بفائدة الحوار معه.
ما استأنفته إسرائيل بالأمس ليس بالجديد ولا المفاجئ. ولم يكن يتوهم أحد أن الحروب التي خاضتها إسرائيل على كل الجبهات مع إيران وأذرعها في المنطقة، قد انتهت. واستئنافها على جبهاتها المتعددة كان مسألة وقت سيحين مع نهاية حرب غزة. لكن إسرائيل لا تعتبر أن حرب غزة قد انتهت، وموافقة نتنياهو على قرار مجلس الأمن الأخير الذي تبنى خطة ترامب في غزة، كانت "موافقة بالإنجليزية فقط"، كما كتب في 18 الجاري موقع vesty الإسرائيلي الناطق بالروسية والتابع لصحيفة يديعوت احرونوت.
نتنياهو شبه متأكد من فشل خطة ترامب في غزة، والتي لن يغير فيها كثيراً تبنيها في مجلس لأمن. وهو يراهن بالدرجة الأولى على عدم توافق الدول التي تتشكل منها القوات الدولية بشان العديد من المهمات الموكلة بها هذه القوات. وكما في حالة حزب الله في لبنان وتعنته في إنكار الوقائع التي أسفرت عنها حرب إسناده لغزة، لا يقل رهان نتنياهو على تعنت حماس وإنكارها لما أسفر عته هجومها في 7 أوكتوبر. وهو يتولى الآن في الضفة الغربية مهمة القضاء على آخر نبض حياة في السلطة الفلسطينية، والتي أنجزتها حماس في غزة العام 2007. وهي المهمة عينها التي تولاها حزب الله منذ نشأته في لبنان في تجويف الدولة اللبنانية من الداخل وجعلها كياناً لا يملك ما يفاوض به إسرائيل. وهنا يبرز بوضوح ما يقول به البعض عن تقاطع مصالح غير مقصود بين إيران وأذرعها من جهة، وبين إسرائيل من جهة أخرى.
إسرائيل لا تخفي عزمها على استئناف الحروب التي بدأتها مع إيران وأذرعها. وهي تتهم حماس وحزب الله بخرق اتفاقات وقف إطلاق النار. وتعلن عن مخاوفها من قدرة إيران على شن هجمات صاروخية عليها، بعد مباهاة نظام الملالي، كما حزب الله، باستعادة قوته الصاروخية. وكان وزير الاستخبارات الإيرانية يحذر في الوقت عينه من مغبة استهداف المرشد علي خامنئي، الذي كان يخاف عليه الرئيس الإيراني أكثر من خوفه على نفسه أثناء حرب الإثني عشر يوماً، "لكي لا تبدأ النزاعات بيننا"، على قول الرئيس.
الموقع الإسرائيلي vesty المذكور نقل إلى الروسية في 23 الجاري نصاً نشره في اليوم عينه معلق صحيفة يديعوت أحرونوت السياسي إيتامار إيشنر (Itamar Eichner). عنون المعلق نصه بالقول: "غزة، لبنان، إيران: الإسرائيليون مستعدون لإستئناف الحرب على الجبهات الثلاث".
توقف المعلق عند كل من هذه الجبهات. ويبدأ بالجبهة مع حزب الله في لبنان، ويقول إن إسرائيل مضطرة لتشديد الضغط على حزب الله، على خلفية العجز الصارخ للجيش والحكومة اللبنانية عن تنفيذ الإلتزام بتجريد المنظمات الإرهابية من السلاح، الذي نص عليه اتفاق وقف إطلاق النار. وتركز إسرائيل ضرباتها على شمال الليطاني وفي البقاع وجنوب لبنان (نُشر النص فجر يوم الأحد).
يشير المعلق إلى السفير الأميركي الجديد في لبنان، ويتوقع أن يرفع مستوى الضغط على الحكومة اللبنانية. ويذكّر بامتناع واشنطن عن استقبال قائد الجيش، "لأنه وصف إسرائيل بالعدو".
يرجح المعلق أن يكون قد اتخذ في 22 الجاري قرار بتشديد الضغط وتكثيف الضربات حتى على المواقع البعيدة لحزب الله، الذي يهدد بالرد على الهجمات الإسرائيلية. ويقول إن الجيش الإسرائيلي يستعد لخوض حرب من عدة أيام في حال جرى خرق وقف إطلاق النار.
موقع detaly الإسرائيلي الناطق بالروسية أيضاً نقل في 21 الجاري عن صحيفة هآرتس نصاً للمعلق العسكري السياسي فيها عاموس هاريل (Amos Harel) رأى فيه أن كل الدلائل تشير إلى تصعيد قريب في الشمال، وتبدأه إسرائيل.
يسجل المعلق للرئيس ترامب قوة "واضحة للعيان" في الشرق الأوسط، ويرى أن نفوذه تخطى كل ما حققه سلفه بايدن في المنطقة. لكنه يرى أن الأميركيين يصطدمون بسلسلة قضايا مزمنة لا تملك إدارة ترامب أدنى فكرة عن حلها. والقضية الأكثر إلحاحاً برأيه الآن، هي لبنان وليس غزة. وحتى وقت قريب كان لبنان يعتبر نموذجاً لنجاح الجهود الأميركية الإسرائيلية. وعلى النقيض من هجوم حماس في أوكتوبر، أخذت إسرائيل زمام المبادرة في الساحة الشمالية، وفسر خصمها حزب الله نواياها بشكل خاطئ تماماً، مما أدى به إلى انتكاسة عسكرية خطيرة.
يقول هاريل أن الجيش اللبناني والحكومة في ظل القيادة الجديدة وبدعم أميركي، بدت لأول مرة مستعدة لمواجهة حزب الله ومحاولة مصادرة سلاحه، على الأقل جنوب الليطاني. لكن هذه الآمال تلاشت تدريجياً الصيف المنصرم. فقد أثبت حزب الله أنه أكثر ثباتاً وتصلباً مما افترضته واشنطن. فلم يكن الحزب يتعجل الخضوع للضغوط، واستأنف تهريب الأسلحة وعزز وجوده السري، بما في ذلك جنوب الليطاني. وردت إسرائيل على ذلك بتكثيف غاراتها الجوية.
ويرى أن جميع الدلائل تشير إلى مزيد من التصعيد قريباً من جانب إسرائيل. وعاد الجيش الإسرائيلي يتحدث من جديد عن احتمال "عدة أيام من القتال"، أي اشتباكات قصيرة المدى ومحددة الأهداف مع حزب الله.
موقعdetaly عينه نقل في 23 الجاري عن صحيفة هآرتس أيضاً نصاً للصحافي زفي باريل (Zvi Barel) عنونه بالقول "إشارات واشنطن ليست واضحة: بيروت عالقة بين مطالب إسرائيل وحزب الله".
استهل باريل نصه بالتوقف عند إلغاء زيارة قائد الجيش اللبناني إلى واشنطن، التي تؤكد أنها ألغت الزيارة بسبب انتقادات هيكل للضربات الإسرائيلية في لبنان. وأشار إلى الرأي السلبي بقائد الجيش الذي نشره على منصة X السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، ورأى أن رأي السيناتور يعكس تقريباً ما يقال في إسرائيل. كما يعبر عن الموقف عينه لكبار ضباط الجيش الإسرائيلي.
يذكّر باريل بالرأي المناقض تماماً لرأي السيناتور غراهام، والذي عبر عنه قبل أسابيع رئيس لجنة مراقبة وقف إطلاق النار في لبنان الجنرال الأميركي جوزيف كلينفيلد. كما يذكر أيضاً برأي قائد القيادة الوسطى الأميركية براد كوبر الذي قال "يواصل زملاؤنا اللبنانيون لعب دور قيادي لضمان نزع سلاح حزب الله بنجاح".
ويرى باريل بأن التناقض بين ما يقوله العسكريون الأميركيون وما يقوله السياسيون، لا يبعث على الثقة بالقيادة اللبنانية. فهي تتأرجح بين الخوف من تجدد الحرب إذا لم يلب الجيش مطالب إسرائيل بالوتيرة والأحجام الضرورية لتجريد الحزب من سلاحه، وبين موقف الرئيس عون بشأن ضرورة التوصل إلى اتفاق مع حزب الله لتفاي الصراع الداخلي.
