ما حدث يوم الأحد في مدينة حمص خطير، وإن أمكن تطويقه وتفادي الأسوأ. أهم ما في الأمر ليس الحدث نفسه، بل السياق الذي أتى فيه، والأسوأ الذي لم يحدث، لكن لا يُعرَف ما إذا كان ممكناً تفاديه لاحقاً، أو حتى ما إذا كانت نية تفاديه ستحضر مستقبلاً. بدأت الأحداث بجريمة قتل في بلدة زيدل المجاورة لحمص، ووُجدت في مسرح الجريمة عبارات طائفية (يا علي.. يا حسين). ثم "بعد وقوع هذه الجريمة النكراء، حدثت بعض التجاوزات من قبل أهالي المغدورين، تمثلت بإحراق ممتلكات وتعطيل طرقات رئيسية في المدينة"، حسب تصريح مدير قسم شرطة البياضة في مدينة حمص لـ"المدن". والممتلكات المُشار إليها هي في أحياء يقطنها علويّون، حيث شهدت تلك الأحياء عمليات حرق ممتلكات وتكسير ونهب.
قبل يوم من جريمة زيدل عُثر في حمص على جثتي شابين (علويين)، وقبل مقتلهما بيومين قُتلت سيدة وجرح زوجها بهجوم مسلّح استهدفهما في حي عكرمة القديمة، وبفرق ساعات عن رجل آخر وجِد مقتولاً في وادي الذهب (حمص أيضاً). القائمة تطول إذا تتبعنا الانتهاكات اليومية التي تعرّض ويتعرّض لها أشخاص من منبت علَويّ، وهذا بالطبع لا يبرر جريمة طائفية مقابلة، مع التنويه بأن التصريحات الصادرة عن وزارة الداخلية تفيد بأن جريمة زيدل جنائية، وأغلب الظن أن الشعارات الطائفية استُخدمت للتمويه على كونها جنائية.
لكن لا يفيد في هذا السياق التأكيد على انتفاء البعد الطائفي، أو ما أشار إليه البعض على السوشيال ميديا لجهة أن العلويين لا يستخدمون شعار (يا حسين) ولا يكتبون بالدم، والشيعة لا يستخدمون شعار (يا علي). فالعمليات الانتقامية التي طالت الممتلكات كان وارداً أن تتطور إلى ما هو أسوأ بفعل الأجواء المواتية للاشتعال، بحيث تكفي شرارة صغيرة إذا لم تكن هناك جاهزية مستمرة للإطفاء.
السياق بأكمله غير مطمئن، وإذا توخّينا الدقة ثمة إحساس مستمر بسهولة الانتقال من انتظار المجازر إلى حدوثها. الحوادث التي أشرنا إليها قبل جريمة زيدل تعزز الإحساس بالخطر، لكن المساهمة الفعّالة تأتي من جانبين، أولهما أن أية جريمة من هذا القبيل لم يُعامَل مرتكبوها بالحزم الواجب، متضمناً إظهار الحزم إعلامياً لكي يؤدي وظيفة عمومية، مع التنويه بأن الانفلات الأمني-الطائفي في حمص بدأ تقريباً مع بداية العام، ويُنظر إليه على نطاق واسع كتمهيد لمجازر الساحل. الجانب الآخر يتعلق بالمساهمة الإعلامية، في وسائل الإعلام التقليدية أو السوشيال ميديا، حيث تسود خطابات طائفية، ومعظمها صريح لجهة عدم ممانعة الإبادة الطائفية، إن لم يكن مشجّعاً على ارتكابها.
قسمٌ من الفالتين الطائفيين في الإعلام والسوشيال ميديا مقرَّب من السلطة، على نحو لا يمكن فهمه إلا بأنه يمثّل وجهة نظرها التي لا تستطيع إعلانها صراحة، والبعض يفسّر ذلك بكونه نوعاً من التهاون الذي يبديه جزء من السلطة إزاء جزء آخر أشدّ تطرّفاً. في كل الأحوال، ساهمت السلطة صراحةً منذ مجيئها في تشجيع الخطابات الطائفية عبر الحديث المتكرر عن "المكوّنات"، ويُقصد بها الطوائف. وساهم مسؤولون منها، بشكل متكرر أيضاً، في الحديث عن الأكثرية التي تعني من المنظور نفسه الأكثرية المذهبية السنية.
آخر المتكلّمين عن "المكوّنات" كان المتحدث باسم وزارة الداخلية الذي قال يوم أمس تعقيباً على أحداث حمص: "نعوّل على وعي أهلنا في حمص وندعو كافة المكوّنات السورية لتكون كما عهدناها". وثمةّ من يُقابل اعتراضنا على الاستخدام المستمر لهذا الخطاب بالقول إن صناعة الطائفية ليست جديدة، وكانت تحدث في العهد البائد بصمت. لكن صناعة الطائفية بصمت أيام الأسد لا تقتضي صناعتها علناً لاحقاً، واعتبار العلنية نوعاً من التقدم إلى الأمان. فالعلنية، كما شهدناها خلال ما يقرب من سنة، كانت تعني التشجيع على المزيد من الطائفية، لا الكشف عما هو موجود بهدف التخفيف منه، وعلى طريق الخلاص من آثاره.
جدير بالذكر أن السلطة التي تتحدث عن المكوّنات تعني بها الأقليات، لتوحي بأنها مشروع ذمّية سياسية، مع إشهار الرفض الصريح للمحاصصة الطائفية. لن يكون هناك فهم مغاير للجمع بين المكوّنات ورفض المحاصصة، إذا لم يكن هيمنة الأكثرية المذهبية. هذا الجمع يختلف جذرياً عن رفض المحاصصة من منطلق الانحياز للدولة المعاصرة، لأن الدولة الحديثة بطبيعتها عقد اجتماعي مغاير للجماعات الأهلية التقليدية، ويقوم أولاً على تعاقد الأفراد المتساوين في الحقوق والواجبات، قبل النظر في منح أية حقوق خاصة للجماعات.
يُكثِر أنصار السلطة والمسؤولون فيها من التحدث عن الدولة وباسمها، وكأن الدولة هي السلطة، ومن ثم هي الهيمنة. في حين أن الدولة المطلوبة هي اختصاراً دولة القانون الذي يتعاطى مع جميع السوريين كأفراد لهم حقوق وواجبات متساوية ومتكافئة، والتركيز على الأفراد ضروري مرة أخرى، وفي الحالة السورية على نحو خاص، للقول إن أية سياسة من سياسات العقاب الجماعي، المباشر أو غير المباشر، الصريح أو المبطّن، هي سياسة مضادة لفكرة الدولة من أساسها، حيث يُفترض بالأخيرة أن تعاقِب المدانين، وأن تحمي الأبرياء.
تجريم "طوائف" بأكملها كما حدث، ويحدث، من خلال مقرَّبين من السلطة يشير إلى اتجاه مناقض تماماً للدولة. الذين يفعلون هذا لا يفعلونه بوقاحة فحسب، بل إنهم يحاولون إسكات الأصوات المعترضة عليهم بزعم أن هذه الأصوات تحابي الأقليات، أي أنهم يتبنّون تجريم مجموعات بأكملها كنهج إقصائي أيضاً، وبحيث لا يكون ثمة مكان للمنادين بمشروع الدولة. لا يمكن بأي حال النظر إلى هؤلاء كجزء من تركة الأسد الطائفية، فهم يطرحون أنفسهم على النقيض من الأسد، وهم حقاً كذلك إذا نظرنا إليه كخصوم للأسد من الطينة ذاتها وعلى نحو طائفي صريح.
لا غرابة في أن يكون تجريم أية مجموعة، ولو رمزياً، بمثابة بديل عن العدالة الانتقالية المطلوبة، فهذا أيضاً يصبّ في منحى تقويض الدولة السورية المأمولة، بما أن العدالة تتعاطى مع الأفراد لا الجماعات. وتقويض الدولة، بخطاب المكوّنات والجماعات، مدخل للعنف المباشر أو المعنوي، فالانتماء إلى جماعة ما ليس نقيصة أو مدعاة للتفاخر بحد ذاته، خصوصاً في دولة تحترم الأفراد. أما عندما توضع الجماعات في حقل السياسة فلا بد من أن تكون عُرضة للنقد، وحتى للشتيمة، لأن الخلاف السياسي، بتدرّج لغة المنخرطين فيه، لا يتعاطى بالمقدّسات بطبيعة الحال، ولن يُعفي أية مجموعة من النقد إلا على سبيل التقية أو النفاق. حتى المناداة بفصل الدين عن الدولة هناك من يتبنّاها من باب الغيرة على الدين، فلا يُنزَل به إلى مستويات الخصومة السياسية المختلفة.
ليست الدولة كلمة، ولا مفهوماً للغلبة والهيمنة. الدولة هي ما افتقدتْه سوريا من قبل والآن. الخيار واضح وبسيط، فإما المضي في اتجاه الدولة أو الحفاظ على خطاب يقسم البلد إلى طوائف وعشائر. بقي أن نشير إلى أن هذا كله يُفترض أن يكون دون السياسة، بمعنى أن الخلاف السياسي هو ابن الدولة الحقّة أيضاً، لا ابن الطوائف والعشائر.
