يشهد العالم اليوم تبدّلاً حاداً في توازنات النفوذ بين أنماط الحكم. فبعد عقود كانت الديمقراطية تُروَّج خلالها باعتبارها النموذج الأرفع، تبدو اليوم منهكة ومتردّدة، بينما تستعيد الأنظمة السلطوية ثقتها بنفسها وتقدّم ذاتها كصيغة أكثر فاعلية وواقعية. هذه المفارقة تلخّص زمناً تتراجع فيه المبادئ الليبرالية أمام صعود منطق الانضباط والقوة وهيمنة الدولة باسم الكفاءة والسيادة.
الأنظمة الاستبدادية لم تعد في وضع دفاعي، بل باتت تعرض نموذجها باعتباره ناجحاً: استقرار بلا مشاحنات سياسية، قرارات سريعة بلا سجالات عقيمة، ومجتمع منضبط بعيد عن الاحتجاجات. وعلى الطرف الآخر، تبدو الديمقراطيات غارقة في مشكلاتها المزمنة: انقسام داخلي، تآكل الثقة بالمؤسسات، صعود الشعبوية، وحيرة أمام التحديات الاقتصادية والتكنولوجية. هذا التناقض منح الخطاب السلطوي بريقاً مفاجئاً لدى قطاعات واسعة داخل العالم الغربي وخارجه.
بعد نهاية الحرب الباردة، كان الاعتقاد السائد أن العولمة ستمهّد لانتصار الديمقراطية بوصفها المسار الطبيعي للبشرية. لكن ما جرى كان معاكِساً تماماً. فالنظام الصيني، الذي توقّع كثيرون انهياره عقب أحداث ساحة تيانانمن عام 1989، أثبت قدرته على الصمود والتجدد. وقد أتقنت الأنظمة المستبدة قواعد العصر الجديد، حيث إن استثمار أدوات الاقتصاد الرقمي والإعلام والشركات العابرة من دون الحاجة إلى أي انفتاح سياسي. وبهذا، بدل أن تقود العولمة إلى نشر الديمقراطية، تحوّلت إلى وسيلة لتحديث الاستبداد.
خلال السنوات الماضية، حاول الغرب دعم المجتمع المدني داخل الدول السلطوية أملاً في إحداث اختراقات نحو الإصلاح. لكن تلك الأنظمة سرعان ما طوّرت أساليب لإغلاق منافذ التأثير الخارجي. فأُغلق المجال العام، وجرّمت المنظمات المستقلة، ووُصِف النشطاء بأنهم "أدوات أجنبية". ثم توسّعت هذه الممارسات إلى الخارج عبر ملاحقة الخصوم والمنفيين، واستخدام التكنولوجيا للمراقبة والتهديد.
لم تكتف هذه الأنظمة بالسيطرة الداخلية، بل نقلت صراعها إلى المؤسسات الدولية ذاتها. ففي الأمم المتحدة، بدأت العمل تدريجياً على تعديل مفاهيم أساسية مثل حقوق الإنسان والسيادة. وصارت ترفع شعارات "القيم التقليدية" ورفض "التدخل الخارجي"، وهي عبارات تُستعمل لتبرير القمع المحلي. ومع الوقت، تراجعت مساحة المنظمات غير الحكومية المستقلة، وحلّت محلها هيئات موالية للسلطة تمجّد سجلها الحقوقي.
الأمثلة على ذلك لا حصر لها. فعندما تعرضت الصين لانتقادات بشأن معاملتها للأويغور، لم تُعزل، بل جمعت حولها أكثر من خمسين دولة دافعت عن موقفها وأشادت بما سمّته "تقدماً إيجابياً". وهكذا صار الدفاع عن الانتهاكات يُقدَّم كوجهة نظر مشروعة. وفي زيارة أممية للصين، ركزت المقررة الخاصة على آثار العقوبات الغربية، متجاهلة تماماً ملف الاعتقالات، لتتحول الزيارة إلى مكسب دعائي لا إلى محاسبة.
هذا التطور يُحدث تآكلاً خطيراً في فكرة التعددية الدولية نفسها. فالاتفاقيات التي صُمِّمت لحماية الحقوق تُستغل اليوم لتبرير انتهاكها، واللغة الأممية التي هدفت لتوحيد المعايير تُستخدم لإضفاء شرعية على سياسات قمعية. وإذا استمر هذا المسار، سيصبح كل انتهاك قابلاً للتبرير تحت شعار "الخصوصية الثقافية" أو "التقاليد الوطنية".
المفارقة أن الديمقراطيات الغربية أسهمت من دون قصد في هذا التراجع. فانسحابها من العمل النشط داخل المؤسسات الدولية، وتقديمها مصالحها الاقتصادية والسياسية على الدفاع عن قيمها، ترك فراغاً استغلّته الأنظمة السلطوية لفرض رؤيتها. وهكذا باتت التحالفات الدولية تُبنى على المصلحة الخام لا على المبادئ.
وفي موازاة ذلك، عمدت الأنظمة الاستبدادية إلى إنشاء مؤسسات موازية للمنظمات الغربية، بينها شبكات لمراقبة الانتخابات تصف أكثر عمليات التزوير فجاجة بأنها شفافة ونزيهة. ولم تعد هذه الحملات هامشية، بل أصبحت جزءاً من معركة للسرديات تهدف لإقناع الجمهور بأن الديمقراطية نموذج عاجز مثل غيره، غارق في الانقسامات.
جوهر المشروع السلطوي واضح ويتمثّل بالسعي الى البقاء في الحكم بأي ثمن. ولذلك يسعى إلى تشويه صورة الديمقراطية عالمياً، عبر تصويرها كنظام مترهّل وفوضوي، فيما يُقدَّم الاستبداد كحل عقلاني للاستقرار والفعالية. وإذا ترسخ هذا الخطاب، فسيعني ذلك انهيار النظام الدولي الذي تأسس على قيم مشتركة كحرية التعبير واستقلال القضاء وكرامة الإنسان.
التصدي لهذا المدّ لا يقتصر على الخطاب، بل يبدأ بإعادة ترميم الداخل الديمقراطي نفسه. فالانتخابات النزيهة، والقضاء المستقل، والإعلام المهني، والشفافية ليست كماليات أخلاقية، بل شروط للبقاء. كما أن التعليم الواعي وكشف شبكات التمويل والتأثير الخارجي عناصر ضرورية لحماية المجتمعات من الدعاية السلطوية.
لكن الإصلاح الداخلي وحده غير كافٍ. وعلى الديمقراطيات أن تعود إلى المؤسسات الدولية بثقة، وأن تستثمر من جديد في الأمم المتحدة والمنظمات متعددة الأطراف. ترك هذه المنصات في يد الأنظمة السلطوية يساوي التخلي عن صياغة قواعد اللعبة العالمية. المطلوب ليس خطباً مثالية، بل سياسة قادرة على الفعل، كطرح المبادرات وتمويل النشاطات وإقامة تحالفات ودبلوماسية نشطة.
المعركة الدائرة اليوم ليست صراعاً بين الشرق والغرب، بل مواجهة بين من يعتبر حرية الإنسان قيمة أساسية ومن يراها تهديداً لسلطته. وإذا استمر التردد الغربي، فسيواصل الاستبداد توسيع نفوذه وفرض منطقه. إن مستقبل العالم الحر يتوقف على قدرة الديمقراطيات على إثبات أنها مشروع قابل للحياة، قادر على الإصلاح والمواجهة، وعلى تقديم حلول واقعية في زمن تتسارع فيه التحولات ويضعف فيه الأساس الأخلاقي للنظام الدولي.
