في أن تكون دمشق "دبي جديدة"

إياد الجعفري الأحد 2025/11/23
Image-1763902773
نمط "دبي" لا يناسب الحالة السورية الراهنة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

 

 

 

 

 

 

 

إنها أشبه برؤيا جميلة، أن نتخيّل دمشق دبي جديدة. شريطة ألا يؤثر ذلك على ما هو قائم من هوية عمرانية وأثرية للعاصمة السورية. لكن حين الانتقال من "الخيال" إلى الواقع، بحذافيره، قد نجد أنفسنا أمام "أضغاث أحلام"، لا من زاوية إمكانية تحقيق ذلك، بل من زاوية أثره السلبي المرجّح على أولويات التنمية المستدامة في سوريا، بصورة قد تهدد بالارتداد عكساً نحو الأسباب العميقة ذاتها، التي أدت إلى ثورة العام 2011.

 

تميّز الشهر الجاري، بتصاعد الاهتمام الاستثماري بإمكانيات التطوير العقاري في سوريا. وقد اطلع الرئيس أحمد الشرع، شخصياً، على مشاريع مطروحة في هذا السياق، تستهدف مركز العاصمة دمشق. ووفق الصور التي نشرتها وكالة الأنباء السورية الرسمية "سانا"، ظهر أمام الشرع مجسمٌ يضم أبراجاً ومساحات خضراء وأبنية منظّمة بطريقة ملفتة. وقبل نحو عشرة أيام، شهدت دمشق ملتقى دولياً للتطوير العقاري، استضاف مستثمرين وخبراء ومهتمين في التطوير العقاري، من دول الخليج، بصورة خاصة. 

 

ودعونا نقرّ، إن السوق العقارية السورية تعاني من شحٍ هائل في المعروض، وطلبٍ متفاقم، صعد بأسعار الشقق وإيجاراتها، في المدن الرئيسية، والأرياف القريبة منها، لتقارع بل وتتفوق على أسعار وإيجارات الشقق في بلدان الجوار. وذلك مع تدني الجودة والخدمات. وهو نتيجة لحركة النزوح الجديدة للكثير من السوريين، بعد سقوط النظام، باتجاه المدن الرئيسية، وأريافها القريبة، التماساً لفرص العمل التي تنشطت في تلك المناطق، أو بغية العودة إلى معاقلهم التي نزحوا منها خلال العقد الفائت.

 

لكن الشح في المعروض العقاري بسوريا، لا يتعلّق بطلب الأثرياء أو المحسوبين على الطبقة الوسطى العليا. بل يتعلّق بطلب الطبقات الوسطى الدنيا، وما دون. وهي الأغلبية الساحقة من السوريين التي تحتاج لمنزل يأويها. وفي بلدٍ يعيش ربع سكانه في فقر مدقع، وثلثَي هؤلاء السكان تحت خط الفقر الأدنى، تندر حتى ساعة كتابة هذه السطور، المشاريع الإسكانية المنظّمة، الموجّهة لهذه الأغلبية. 

 

ويمكن تفهّم عجز الدولة بإيراداتها المتواضعة، عن التحرك باتجاه إسكان ذوي الدخل المنخفض (أو المُعدم)، والذين لا يزال أغلبيتهم في خيام النزوح، أو في منازل تفتقر للحدود الدنيا للحياة الآدمية. لكن، ما لا يمكن تفهّمه، هذا الترحيب الحار بنمط الإعمار الفاخر، الخاص بالمدن الكبرى. ترحيب لا يراعي البعدين "الطبقي" و"المناطقي". وإن استمر هكذا، على عواهنه من دون تخطيط شامل، يراعي كامل الخريطة السورية واحتياجاتها، فإن انعكاساته السلبية، على المدى الطويل، قد تكون أكثر بكثير من انعكاساته الإيجابية، قريبة الأجل.

 

في الملتقى الدولي للتطوير العقاري، الذي عُقد مؤخراً في دمشق، كانت "نغمة" المتحدثين تركّز على الإسكان الفاخر. وكانت المقارنة بالتجربة الإماراتية حاضرة بقوة. وكان لبّ النقاش يركّز على مصالح المستثمرين ومطالبهم، بغية جذبهم نحو السوق السورية. نقاش من قبيل فتح باب القروض، والانتقال من منظومة البناء الفردي إلى منظومة "المطوّر العقاري"، وتوفير الخدمات وإيصالها مجاناً للأراضي التي ستُمنح للمستثمرين، والبحث سريعاً في حلول لقضايا العشوائيات والحيازات المتنوعة، قرب مراكز المدن الكبرى، خصوصاً دمشق.

 

هو منطق يركّز على الإسكان الفاخر ونمط "دبي"، الذي لا يناسب الحالة السورية الراهنة. ففي بلد خارج من نزاع أهلي، ومدمّر، وغالبية سكانه في فقر مدقع، لا يبدو أن الأبراج الشاهقة و"الكامبوندات" والإبداعات المعمارية المعاصرة، رهان موفق. على المدى القريب، قد يوفّر ذلك إشباعاً لطلب الأثرياء والطبقة الوسطى العليا للسكن في مجمعات سكنية فاخرة، غير متوافرة الآن، على نطاق واسع. كما أنه سيوفّر فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، قد تكون ضخمة. وسيزوّد الخزينة الحكومية بإيرادات ضريبية وفيرة، ربما. لكن على المدى البعيد، سيدفع نحو التركزّ السكاني قريباً من مراكز المدن الرئيسية ومحيطها، طلباً للعمل، وللحياة الخدمية المتكاملة، مقابل النزوح من المدن الصغيرة والطرفية والأرياف البعيدة. وهو ما سيستنسخ معضلة الافتراق بين "النمو" و"التنمية"، التي عرفتها سوريا في العقد الأول من القرن الحالي، في عهد بشار الأسد. والتي كانت السبب العميق –اقتصادياً واجتماعياً- لانفجار العام 2011. 

 

ففي تلك الحقبة، شهدت سوريا طفرة في المجال العقاري والخدمي والسياحي، رافقها ارتفاعٌ ملحوظ في نسب النمو. لكن، ووفق توصيف الباحث السوري الشهير، محمد جمال باروت، فإن آثار ذاك النمو "تساقطت" على المدن "المليونية" –دمشق وحلب- فيما "أشواكه" كانت من نصيب الأرياف والمناطق الشرقية والشمالية والمدن "المئة ألفية" والصغيرة، القريبة من "المدن المليونية". وهذا ما يفسّر جانباً كبيراً من طبيعة الانتشار المناطقي للاحتجاجات الأولى لعام 2011.

 

وفيما ينشغل مسؤولو الدولة رفيعو المستوى، بإقناع المستثمرين بجدوى بناء "دبي جديدة" في دمشق، تنشط حركة إعمار وإعادة تأهيل منفلتة من كل ضبط، في أرياف المدن الرئيسية، خاصة قرب دمشق. فسكان تلك المناطق التقطوا فرصة الطلب الكبير على العقارات قرب المدن الكبرى، وبدأوا بإعادة إعمار بلداتهم التي دمّرها الأسد، بأنفسهم. لكن حركة الإعمار تلك، لا تخضع لضوابط متعلّقة بسلامة المباني التي اهتزت أساساتها مئات المرات جراء ضربات صواريخ ومدافع الأسد وبراميله المتفجرة. كما أنها لا تراعي مستلزمات التنمية البيئية والمستدامة. وتخلق ضغطاً غير محسوب مسبقاً، على خدمات الكهرباء ومنظومات المياه والصرف الصحي، التي لم يتم بعد، إعادة تأهيلها، بالشكل المطلوب. فيما تقبع شريحة الأسر التي تعيلها نساء أو أطفال –عمالة ما دون السن القانوني-، في قاع القدرة على توفير سكن بالشروط الآدمية. في الوقت ذاته الذي تذهب فيه الدولة أكثر فأكثر باتجاه إنهاء الدعم، وترك أسعار السلع والخدمات الأساسية، تحت رحمة السوق، بغية تحويلها إلى سلع جذّابة للمستثمر الذي قد يرغب في إنتاجها بسوريا.

 

هذه "الخلطة" سابقة التفصيل، لا تبشّر بالخير. فهي أساس "نمو" غير مستدام، يخلو من وعي بضرورة بناء تنمية متوازنة، تمنع ارتداد سوريا، مجدداً، نحو حالة احتقان طبقي ومناطقي، تشكّل أساساً لاحتمال الانفجار، حالما تتوفّر "الشرارة" المناسبة.

 

ففي البلدان التي خرجت من نزاعات أهلية مدمّرة، يجب التركيز أولاً على إعادة بناء البنية التحتية وإسكان المتضررين، وإحياء قطاعي الزراعة والصناعة، لتوفير الأساس للنمو المستدام. ويجب أن تراعي إعادة إعمار القطاع العقاري، حاجة مختلف المناطق والمدن السورية، وألا تتركز في المدن الكبرى، مقابل إهمال الأرياف والأطراف. وقد يفتح ذلك الباب أمام حاجة ملحة للاقتراض لأهداف تنموية، لا الاعتماد فقط على الاستثمار كوسيلة لإعادة الإعمار، ما دام الاستثمار يتجه نحو القطاعات سريعة الربحية. ويبقى أن إسقاطات "دبي" أو "سنغافورة" أو سواها، غير متناسبة مع طبيعة الوضع الذي تنطلق منه إعادة الإعمار في سوريا.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث