يجمع الإعلام على ضخامة الإستقبال الذي نظمه ترامب لضيفه السعودي، ورأى البعض أنه لم يحظ بمثيله أياً من زعماء المنطقة خلال السنوات العشرين الماضية. والزيارة التي كانت شكلياً زيارة عمل، بدت على خلفية الاستقبال وكأنها زيارة دولة. فقد أطلقت المدفعية 19 طلقة تحية للضيف، وحلق سرب طائرات ضم 3 مقاتلات F-35، وأقامت سيدة البيت الأبيض مأدبة عشاء في الصالة الشرقية على شرف الضيف، حضرها أعضاء الكونغرس وكبار رجال الأعمال.
لم يتوقف كثيراً الإعلام الإسرائيلي (الناطق بالروسية) عند مظاهر الحفاوة البالغة التي أحاط بها ترامب ضيفه السعودي. لكنه توسع في مناقشة مسألة بيع السعودية مقاتلات F-35، والتي كان ترامب قد حسمها قبل أيام من وصول ولي العهد إلى واشنطن. وكانت وكالة أسوشيتدبرس قد نقلت في 14 الجاري عن ترامب أنه صرح للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية بأن السعوديين يريدون شراء "الكثير من الطائرات، وأنا أدرس هذه المسألة". لكن مصادر الوكالة رأت حينها أن عقد مثل هذه الصفقة "ضئيل الاحتمال"، حسب موقع المجموعة الإعلامية الروسية RBC في 18 الجاري.
هيئة التحرير في موقع detaly الإسرائيلي الناطق بالروسية نشرت في 19 الجاري نصاً نقلت فيه عن رويترز تصريحاً تؤكد فيه إسرائيل أنها لاتخشى فقدان تفوقها العسكري بسبب مبيع طائرات F-35 للسعودية.
وأكدت السلطات الإسرائيلية أن اتفاقية طويلة الأمد لا تزال سارية المفعول بين واشنطن وتل أبيب تضمن التفوق العسكري النوعي لإسرائيل في المنطقة، وتل أبيب على ثقة بأن هذه السياسة ستحافظ عليها واشنطن بعد بيع الطائرات للسعودية.
يشير الموقع إلى أن إسرائيل تبقى حتى الآن الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تملك الطائرات المذكورة. وتنقل عن مسؤولين أميركيين تأكيدهم بأن الطائرات التي ستتسلمها السعودية ستكون أدنى كفاءة من الإسرائيلية، ولن تتضمن أحدث الأسلحة وأنظمة الحرب الإلكترونية.
يذكّر الموقع بأن السعودية لا تعترف رسمياً بإسرائيل، لكنه يشير إلى أن بن سلمان صرح خلال زيارته لواشنطن بأن السعودية تريد علاقات رسمية مع إسرائيل، لكن شرط إحراز تقدم واضح نحو حل الدولتين والاستقلال الفلسطيني. لكن نتنياهو يكرر دائماً رفضه لإقامة دولة فلسطينية. ويؤكدون في إسرائيل أن مبيعات الأسلحة الأميركية السابقة للدول العربية، لم تحل دون تزويد إسرائيل باسلحة أكثر تطوراً، مما كان يسمح لتل أبيب بالاحتفاظ بتفوقها الإقليمي.
موقع detaly عينه نقل في 20 الجاري عن صحيفة هآرتس نصاً بعنوان "هل خسرت إسرائيل أكثر من ميزة إقليمية مع انطلاق التحالف الأميركي السعودي الجديد؟".
استهل الكاتب زفي باريل (Zvi Barel) نصه بالإشارة إلى إلى أن الحفاوة البالغة التي أحاطت باستقبال ولي العهد السعودي، تضمنت عرضاً رمزياً لطائرات F-35. وهذه الطائرات من الطراز عينه الذي شارك في قصف المواقع النووية الإيرانية منذ ستة أشهر. وهي لا تستعرض فقط التقنيات الأميركية المتطورة، بل أصبحت الركيزة الأساسية للهيكل السياسي الجديد الذي تسعى الولايات المتحدة والسعودية لتشكيله في الشرق الأوسط وخارجه.
يعدد الكاتب الشروط التي كانت تُرفع بوجه مطالبة السعودية بحيازة تلك الطائرات: من التطبيع مع إسرائيل وصولاً إلى المساهمة المالية في خطة ترامب بشأن غزة. ويقول إن إعلان ترامب عن مبيع طائرات F-35 للسعودية من دون الربط بهذه الشروط، قد يشير إلى عزم ترامب إلغاء حزمة الشروط التقليدية تلك وإعادة توضيبها من جديد.
ويرى أنه وفق "الموديل" الجديد للرئيس، ستكون كل صفقة وكل خطوة سياسية أو اقتصادية قائمة بذاتها، وليس من الضروري أن تكون مرتبطة بالسياق الإقليمي. فالسعودية مثلاً، بوسعها شراء الطائرات من دون أن تكون ملزمة بالتطبيع مع إسرائيل، إذا لم تنفذ إسرائيل شرطها الأساسي: إقامة دولة فلسطينية. وولي العهد كان بوسعه التصريح خلال الزيارة أن السعودية مستعدة للإنضمام إلى اتفاقيات إبراهيم، لكن شرطه -"الطريق الواضح" لحل الدولتين- لم يتحقق.
يرى الكاتب أن ترامب كان ينظر إلى السعودية في ولايته الأولى على أنها محمية يدافع عنها مقابل "ثمن عادل". أما في ولايته الثانية فهو ينظر إليها كشريك استراتيجي. وحين طلب من ولي العهد توظيف 600 مليار$ في الولايات المتحدة، كان يخلق توازناً جديداً من الاعتماد المتبادل بين الولايات المتحدة والسعودية، حيث تتمتع المملكة بالوزن عينه الذي تتمتع به الولايات المتحدة.
كما يرى أن دور إسرائيل في التوازن الجديد يتضاءل من الحليف الاستراتيجي إلى "عنصر تكتيكي" يخضع كلياً لتعليمات الإدارة الأميركية. وسلسلة القرارات التي اتخذها ترامب تحت تأثير ولي العهد تشير برأيه إلى تغير الأدوار هذا.
يقول الكاتب أن ترامب لا يزال كما في السابق ملتزماً بأمن إسرائيل، لكنه لا يقيس هذا الإلتزام بكمية الأسلحة والذخائر والأموال التي يقدمها لإسرائيل. وعلى العكس من الإدارات الأميركية السابقة، لا يقوم تحالفه مع إسرائيل على أساس قيم مشتركة، ومقولة "الديموقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط" لا تلهمه. وهذا الموقف، الذي يقوض ما كان يعتبر قيماً فريدة لإسرائيل، يلغي أيضاً ميزتها على دول مثل السعودية وقطر والإمارات، والتي يُنظر إليها في عهد ترامب من خلال منظور المصالح العسكرية والاقتصادية.
الشهرية اليهودية الروسية lechaim الناطقة بإسم فيدرالية الجمعيات اليهودية الروسية، نشرت في 21 الجاري نصاً ناقشت فيه مصير اتفاقيات إبراهيم بمناسبة زيارة محمد بن سلمان.
تقول المجلة على لسان من أطلقت عليه إسم لي سميث (Lee Smith) إن زيارة ولي العهد السعودي للبيت الأبيض أصبحت رمزاً لنهاية المرحلة التي كانت فيها اتفاقيات إبراهيم هي "الفكرة الهندسية" الرئيسية للسياسة الإقليمية الأميركية، وبداية عصر جديد تسعى فيه واشنطن إلى تحرير نفسها تماماً من أجندة الشرق الأوسط من أجل التركيز على الصين.
ورأت المجلة أن ترامب قد جعل الزيارة ناجحة قبل وصول ولي العهد إلى البيت الأبيض. فقد اتخذ قراره الرئيسي مسبقاً، والقاضي بعدم الضغط على الرياض وعدم مطالبتها بالإنضمام إلى اتفاقيات إبراهيم مقابل الحصول على طائرات F-35. فالوقت لمثل هذه الصفقة قد مضى، إذ بعد الضربة الإسرائيلية الأميركية الناجحة للبرنامج النووي الإيراني تغيرت دينامية المنطقة.
كما ترى أن ترامب قد حصل من الزيارة على ما يحتاجه فعلياً: شيك بمليارات الدولارات مقابل الأسلحة الأميركية. وبالمقابل أكدت الولايات المتحدة عملياً إحياء الاتفاقية غير الرسمية التي عقدها في العام 1945 الملك عبد العزيز بن سعود مع الرئيس فرانكلين روزفلت والقاضية بضمان الولايات المتحدة لأمن المملكة مقابل ضمان السعودية استقرار أسواق النفط.
تقول المجلة أن ترامب بعد الإنتهاء من مسألة إيران يتطلع إلى المضي قدمًا. فهو لا يرغب في التورط في صراعات الشرق الأوسط، وأفقه الاستراتيجي هو الصين، مركز المنافسة العالمية الجديد.
ترى المجلة (دائماً على لسان سميث) أن اتفاقيات إبراهيم السابقة قامت على تجاهل القضية الفلسطينية والتركيز على الخطر الإيراني. لكن بعد حرب الإثني عشر يوماً التي من المفترض أنها أنهت الخطر الإيراني، وبعد حرب غزة التي جعلت من المستحيل تجاهل القضية الفلسطينية، أصبحت اتفاقيات إبراهيم بشكلها الحالي مرحلة ماضية. وليس لأن فكرتها بحد ذاتها خاطئة، بل لأن البنية العامة في المنطقة قد تغيرت.
