قبل أسبوع عادت إلى التداول قصة الطفلة حلا الخطيب، عبْر تسجيل لا يُعرف تاريخه بدقة، تروي فيه مأساتها. حلا فقدت عائلتها في المجازر الفظيعة التي ارتُكبت في السويداء، في تموز الماضي، وهي أيضاً أصيبت بالرصاص الذي ترك آثاراً مهولة على وجهها. وقد سبق للطفلة حلا أن ظهرت في تقرير لتلفزيون BBC، إلا أن ظهورها آنذاك كان في المستشفى، عقب المجزرة مباشرة، وكان الدم المتجمّد على وجهها يغطي الأذى المهول الذي ظهر في التسجيل المتداول حديثاً.
إظهار الأذى المستدام على وجه الطفلة هو في صُلْب التسجيل الثاني، ويُراد به التذكير بالفظائع المُرتَكبة قبل شهور، ولا شكّ في أنه قد يستفزّ الكثير من مشاعر التعاطف هنا وهناك. لكن المسألة الغائبة، والتي نطرحها هنا، هي الحق في إظهار وجه الطفلة على هذا النحو، فهي ليست إطلاقاً في سنٍّ يخوّلها منح إذن في موضوع حساس جداً من هذا القبيل، وإذا كانت عائلتها قد قُتلت فليس هناك شخص مقرَّب، أب أو أم، ليمنح هذا الإذن. مع التنويه بأن وجود وصيّ عليها، مهما كانت درجة القرابة ولو كان أحد الوالدين، لا يعطيه الحق في تعريض البنت للإعلام على هذا النحو المكشوف السافر.
نميّز في هذا السياق بين استخدام صورة الطفلة أمام هيئات متخصّصة، مثلاً أمام منظمات حقوقية أو قضائية ذات صدقية، واستخدامها إعلامياً أو على السوشيال ميديا. ونميّز حتى بين استخدامها في أروقة صنع القرار الدولي، من أجل الحصول على دعم سياسي، والاستخدام الإعلامي. ونعلم أن أولئك الذين يصوّرون شهادة الطفلة وما يماثلها مدفوعون بهاجس كسب التعاطف والدعم السياسي، أكثر مما هم مشغولون بدعم الطفلة نفسها، إلا أن تعريضها للإعلام على هذا النحو يعني التضحية بحقوقها كطفلة من أجل قضية تستحق الدعم والتعاطف بأسلوب لا ينتهك حقوق الضحايا أنفسهم.
وفي أقصى أحوال، الاستهانة بحقوق الطفلة، كان يمكن التضحية بها من أجل مكسب أعمّ للقضية، بالرغم من أننا لا نتبنّى إطلاقاً هذا الرأي. لكن فرضية الكسب العام ليست واقعية أيضاً، ويكفي استرجاع عشرات ألوف الحالات المشابهة، خلال عقد ونصف، لكي نتأكد من أن نشر هذه الصور في الإعلام والسوشيال ميديا لم يُكسِب قضيتهم دعمَ سوريين آخرين، ممن يُفترض أن الخطاب موجَّه إليهم. موالو الأسد كان يعرفون ما يرتكبه من فظائع، والبعض منهم يشيح بوجهه عنها متعمّداً، ولو حُشرت الصور في أنفه لما فعل سوى ذلك. الصامتون أيضاً لم يكونوا يرغبون في رؤية المزيد من صور الانتهاكات، تلك الصور التي تجرح مشاعرهم حقاً، إلا أنها لم تكن لتدفعهم لتغيير وضعيتهم والخروج عن صمتهم.
يبقى أصحاب القضية، ويُفترض أنهم لم يكونوا بحاجة إلى برهان جديد على وحشية الأسد. بعبارة أخرى، لم يكن نشر المزيد من صور الفظائع يُكسِب القضية آنذاك مزيداً من الفاعلين السوريين، ولم يزحزح ولو قليلاً في اصطفافاتهم المبنية على حسابات مختلفة. حجم التفاعل على السوشيال ميديا ليس هو المعيار إطلاقاً، واليوم أيضاً يمكن لأي شخص أن يعبّر مساءً عن حزنه وتعاطفه مع الطفلة حلا، ويدعم صباحاً السلطة المتّهمة بالضلوع في المجازر، بل ربما يحزن الشخص نفسه للحظة ثم يدعم منشوراً موالياً تالياً للمنشور الأول.
العالم؟ لقد جرّبناه طوال وحشية الأسد، وكأن أقصى ما فعله إصدارُ قانون قيصر بعد انفضاح مؤسسة كاملة من القتل الممنهج. إلا أن القانون، بالرغم من تأثيره الاقتصادي، لم يُقنِع الأسد بالتنازل ولو قليلاً ليبقى بالرغم من إجرامه شريكاً في انتقال سياسي سوري بموجب قرارات الأمم المتحدة، ونعلم أن إسقاطه أتى لاعتبارات مختلفة ليس في رأسها وحشيته إزاء السوريين. في كل الأحوال، العالم غير منشغل بالسوشيال ميديا السورية، ولا يتخذ قراراته بناءً على عدد التفاعلات هنا أو هناك. وإذا كان الهدف إيصال رسالة إلى العالم فقنوات الاتصال موجودة ومعروفة للناشطين السوريين من مختلف التوجّهات؛ أي إن التسجيل الخاص بالطفلة حلا وأمثالها يمكن إيصاله إلى مراكز صنع القرار الغربي على نحو موثوق أكثر من نشره، ومن دون تعريض الطفلة للإعلام على نحو ينتهك حقوقها كطفلة.
بالعودة إلى الأثر المرجوّ محلياً، هناك أمثلة بارزة على أن إحداث الأثر لا يقتضي إظهار المزيد من بشاعة ووحشية القتلة. لنا من الساحل "أم أيمن"، من قرية قبو العوامية، التي ظهرت وتحدثت بعد المجازر عن تفاصيل مقتل ابنيها وحفيدها، فكان ظهورها أبلغ من مشاهد الجثث. لنا أيضاً التسجيل الذي ظهر فيه أبو سليمان من قرية الرصافة، وتحدّث فيه عن الوحوش الذين اختطفوا ابنه وانتزعوا قلبه ووضعوه فوق الجثة، وكان صوت الرجل المختنق أبلغ تأثيراً من مشاهد الجثث. من السويداء نفسها هناك مشاهد كافية مثل إعدام الشباب مع أمرهم بإلقاء أنفسهم من الشرفة، أو إعدام عامل ضمن منظمة الإسعاف أمام زملائه، وغير ذلك من مشاهد مصوَّرة لا تنتهك حقوق الضحايا، أو أن الذين يتحدثون فيها بالغون راشدون.
وبالحديث عن الأثر المرجو من النشر، يجدر العودة إلى ما أوردناه عن ثبات الاصطفافات السورية سابقاً والآن، ليكون الأثر المرجو ضمن البيئة المقتنعة أصلاً ولا حاجة لإقناعها بالمزيد من رؤية الانتهاكات. نؤكد هنا على أن أولئك الذين يطالبون بالأدلة على حدوث انتهاكات لن يفيد معهم تقديم المزيد من الأدلة، أو إيراد أشدّها فظاعة، فهم مستعدون سلفاً لتكذيب الأدلة ظاهراً في الوقت الذي يؤيدون فيه المجزرة بلا تحفّظ باطناً. ضمن هذه الترسيمة سيكون جيداً الانتباه إلى أثر بعيد المدى، هو التطبيع مع العنف والوحشية.
من الجيد اليوم أن نعترف جميعاً بشجاعة بأن ضخّ صور الانتهاكات الوحشية خلال عقد ونصف ساهم في جعلها اعتيادية، وفي جعل ممارستها أيضاً اعتيادية، ليس فقط في المناطق التي كان يسيطر عليها الأسد. الذين ارتكبوا مجازر اليوم هم أبناء مخلصون للضخ الإعلامي خلال السنوات الماضية، والذين يقارنون بين أحجام المجازر على سبيل التبرير هم أيضاً أبناء مخلصون للضخّ الإعلامي نفسه. هؤلاء بمعظمهم لم يأتوا من ثارات قديمة، ولو استخدموا مظلوميات طائفية إعلامياً. لقد أتوا من ضخّ إعلامي مدعوم بصور الفظائع، وبالتطبيع معها، وجزء من التطبيع هو باستخدام أحداث طائفية قديمة ليبدو التطبيع أصلاً من طبيعة الأحوال.
كسْرُ هذه الحلقة ضروري اليوم من أجل تجنّب مجازر لاحقة، وتجنّب المزيد من صناعة الوحوش. وتجنّب ذلك لا يعني إطلاقاً التهاون أمام المجازر، ولا التفريط بحقوق الضحايا؛ بل يكون بخطاب وأداء إعلاميين يعليان من شأن هذه الحقوق، وبتقديم النموذج (قولاً وفعلاً) على عدم استخدام مأساتهم بأداء ينتهك حقوقهم مرة أخرى. في التسجيل الخاصة بالطفلة حلا كان يمكن على الأقل تمويه جزء من وجهها، بحيث لا يظهر كاملاً على النحو الذي ظهر به، وبحيث ترى عندما تكبر أن مأساتها قُدِّمت بالحدّ الأدنى من اللباقة والاحترام.
قد يُنظر إلى ما سنورده على أنه ترف لا يخصّنا، ففي الوقت الذي انتُهكت فيه طفولة السوريين على نحو غير مسبوق، منذ اندلاع الثورة حتى الآن، كان العالم يشهد صحوة تتعلق بحقوق الأطفال تحديداً. وكان الباحث في علوم الاجتماع إريك نوفو قد صاغ في نهاية القرن الفائت مصطلح أنفانتيزم Enfantisme، على نسق كلمة النسوية Féminisme، إلا أن حركة الأنفانتيزم اكتسبت جدية وزخماً منذ العام 2012، وفي السنتين الأخيرتين قام أنصار حقوق الطفل بالتظاهر يوم 15 تشرين الثاني/ نوفمبر. وقد نشرت صفحة FEMEN، على سبيل المثال، دعوة مؤثّرة للتظاهر في جميع أنحاء فرنسا اختتمت بالقول: تعالوا مع أطفالكم، أو مع الطفل الذي كنتم ذات يوم. اليوم، في زمن السوشيال ميديا، تُحتَرَم حقوق الأطفال حتى لجهة تقييد حرية الأهل في نشر صور أبنائهم العادية أو الاحتفالية، وتُسَنّ قوانين خاصة لحماية حقوق الأطفال على هذا الصعيد. ولئن بدت المقارنة ظالمة مع أحوال أطفال سوريا، حيث يمكن لشخص تصوير الطفلة حلا الخطيب على نحو لا يراعي حقوقها كطفلة، فإن النظر يُفترض أن يبقى في اتجاه ما يستحقه أطفال سوريا، لا ما يحصلون عليه. بهذه الطريقة نمنع التطبيع مع المجزرة، ونحمي الأجيال المقبلة من مصير حلا.
