بأغلبية 13 صوتاً وامتناع روسيا والصين عن التصويت، يعين مجلس الأمن ترامب ملكاً على غزة. أحلام ضم كندا وغرين لاند تتراجع إلى مجرد فرض الوصاية الإمبراطورية على القطاع الصغير والمدمر بشكل يكاد يكون كاملاً. يحصل الرئيس الأميركي على القلادة الشرق أوسطية ليتباهى بها أمام جمهوره المحلي. وتثبيت إطلاق النار في غزة مسوغ آخر للمطالبة بنوبل للسلام، إن تعذرت هذه الدورة فالدورة المقبلة أو ما بعدها. الانتصار الذي يحصده ترامب كما يشير إلى انفراد واشنطن بالقرار الدولي، فإنه يكشف شروخ في الهيمنة الإمبراطورية للولايات المتحدة. بالطبع، يعني القرار فصلاً لغزة عن الضفة، أي تأبيداً لوضع قائم بالفعل بحكم الانقسام الفلسطيني-الفلسطيني الطويل. والحال أن الصياغة الملتوية والغامضة لدور السلطة الفلسطينية المستقبلي، يؤكد على التسويف الأميركي لصالح لعبة الوقت، تلك التي لطالما صبت في صالح إسرائيل. وعلى أرض الواقع، خطة تقسيم غزة نفسها تجرى على قدم وساق. هناك غزتان على الأقل في الوقت الحاضر، غزة حماس وغزة إسرائيل والميلشيات المتعاونة معها، وبدخول قوة الاستقرار الدولية وبعدها قوات الشرطة المحلية المزمع تشكيلها ربما ستكون هناك ثلاث غزات وأكثر.
لا مقاومة ولا سلاح، وعدا ذلك ليس للفلسطينيين سوى إدارة تكنوقراطية وغير مسيسة بصلاحيات غائمة. من البداية، لولا الانتداب الأممي لما كانت النكبة، وها هو الانتداب يعود تحت مسمى مجلس السلام. هكذا تبدو خسائر الفلسطينيين فادحة، باستثناء مكسب وقف الإبادة، أو بالأحرى تخفيض وتيرتها. كل هذا صحيح، لكن تدويل غزة يعني أموراً أخرى قد تبدو على النقيض. فتمرد القطاع الذي يضم أكثر مليوني نسمة يظهر عصياً على الحكم أو الضبط. وبدلاً من أن تخمده الإبادة، قادت الحرب إلى حركة احتجاج واسعة حول العالم. الإخفاق الإسرائيلي في الحسم بعد عامين من أبشع الحروب وحشية في قرننا، رافقه انهيار غير مسبوق للصورة الأخلاقية للإمبراطورية، وذلك على خلفية التواطؤ الواسع من الحلفاء الغربيين على الجرائم الإسرائيلية. وانتهى الأمر إلى هذه المحاولة الأخيرة لتحقيق ما فشلت الحرب عن تحقيقه عبر القرار الأممي. ثمة اعتراف ضمني بعجز إسرائيل عن ضبط باحتها الخلفية، ولذلك توكل المهمة لقوات عربية وإسلامية وبالاعتماد على حسن نواياها. صحيح أن القرار ينص على ضرورة تنسيق مجلس السلام خطواته مع إسرائيل وكذلك مصر، لكنه ينتزع من تل أبيب سلطة التحكم المطلق في القطاع. ثمة خسائر واضحة للمشروع الصهيوني، لكن من الصعب مقارنتها بالخراب الواسع الذي لحق بالجسد الفلسطيني والمتوقع أن تتردد أصداءه لأجيال قادمة.
لا تحكم الإمبراطورية بأدوات العنف وحدها، بل عبر الهيمنة الناعمة أيضاً وشبكة معقدة من الحلفاء والوكلاء والمتعاونين ومن خلال علاقات الشراكة وتبادل المنفعة. وعلى تلك الخلفية، مرر القرار الأميركي فقط بفعل الإجماع العربي والإسلامي على دعمه، بما في ذلك الصوت الجزائري. ولعل ذلك الإجماع ما دفع الروس والصينيين إلى الاكتفاء بالامتناع عن التصويت. لا تراهن إسرائيل وحدها على لعبة الوقت. يبدو حلفاء واشنطن الآخرون في المنطقة يعولون على الأمر نفسه لاستمالة الرئيس الأميركي. غموض بنود القرار بقدر ما تجعله غير قابل للتطبيق، فهو يمنح كل الأطراف مساحة للمناورة والتعديل وإعادة الصياغة العملية أثناء التنفيذ. بالنسبة لدولة المنطقة كانت الأولوية هي وقف الإبادة، ولاحقاً يمكنها العمل على تفاصيل الحل مع واشنطن.
بعد تمريره مباشرة، رفضت حماس وعدد من الفصائل الفلسطينية القرار. أما مبدأ نزع السلاح فتم التأكيد مرة أخرى على أنه شأن فلسطيني. ولا يبدو أن هناك دولاً مستعدة لإرسال قوات لفرض القرار بالقوة. هكذا تبدو حماس أيضاً تراهن على عامل الوقت. وفي ظل هذا الإجماع على المراهنة، لا يكون القرار سوى وصفة لتضييع الوقت في انتظار تفجّر تالٍ للصراع.
