عطش طهران الكربلائي

بسام مقدادالثلاثاء 2025/11/18
Image-1763417794
انهيار خدمة المياه في طهران أصبح من الصعب وقفه (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

ليست ندرة المياه وقلة تساقط الأمطار في الشرق الأوسط مادة جديدة للحديث عنها. فالأبحاث العلمية والتقارير تتحدث منذ عقود عن "حروب المياه" ومخاطر العطش في المنطقة. لكن حديث الرئيس الإيراني في الأيام الأخيرة عن خطر مقاساة طهران عطش الحسين في كربلاء، واحتمال ترحيلها إلى شواطئ الخليج، جعل المشكلة تتصدر نشرات الأخبار في العالم. 

وتؤكد دراسات مشكلة المياه وانخفاض معدل الأمطار في المنطقة، أن "مياه دجلة" لم يحظرها جيش يزيد هذه المرة، بل جفف أولياء طهران مياهها في "عاشوراء" التي تعيشها المدينة مع مدن أخرى بعد عشرات القرون من كربلاء الحسين. 

 

لدى ملالي إيران شعار محبب "كل شيء لدينا من عاشوراء". وقد نجحوا في فرض "عاشورائهم" على شعبهم، وعلى كل بلدان المنطقة التي نجحوا في الهيمنة عليها. ومن "الأفضال" التي أنعمت بها عاشوراء الملالي على هذه الدول، خواء الدولة وقصورها عن التصدي للقضايا المعيشية لشعوبها. فلم يعد عطش بيروت ودمشق وبغداد وصنعاء للماء والكهرباء يقل عن عطش طهران، إن لم يتخطاه. وكما طهران، وهبت هذه العواصم كل موارد دولها وقدرات شعوبها لـ"المقاومة"، مقاومة الدم للسيف والعين للمخرز، إلى أن كاد السيف يهرق كل الدم ويفقأ المخرز العينين ويعميهما.  

التطورات التي عصفت بالمنطقة في السنتين الأخيرتين وفضحت عبثية انتصار الدم على السيف ومقاومة العين للمخرز، بينت وهن الجسد الذي ضحى بالدم والعين على مذبح "المقاومة". كما بينت أن "عاشوراء" التي كان يصدرها نظام الملالي طيلة عقود إلى محمياته في المنطقة، لم يكن يملك سواها، وفرض على شعبه وشعوب محمياته شعاره الآخر المحبب: كل أرض كربلاء وكل يوم عاشوراء. وأصبحت الأرض يباباً، والأيام سواداً.

 

يتمسك نظام الملالي في لبنان بالأيام الأخيرة بما تبقى لذراعه، حزب الله، من قدرة على إبتزاز ضعف السلطة اللبنانية، وتحميل اللبنانيين عواقب ما اقترفته "مقاومته" في السنتين المنصرمتين. وتعنت حزب الله للاعتراف بالواقع المستجد، يستهدف تعزيز عجز الدولة عن سد تعطش اللبنانيين للخدمات الحياتية الأساسية، وخصوصاً الماء والكهرباء. لكن مع ذلك، ولأسباب عديدة ومتنوعة، لا يزال اللبنانيون يتمتعون بحرية سد ظمأهم بشراء مياه الخدمة والشرب، ولم تقنن الدولة الكميات التي يشترونها من المتاجر، كما في طهران. فقد انتشر في الإعلام في الأيام الأخيرة  ما يفيد بأن السلطات الإيرانية في طهران حظرت على الإيرانيين شراء أكثر من رزمة واحدة من ست زجاجات من المياه المعدنية بسعة 1,5 ليتر الزجاجة الواحدة. 

 

نبأ تقنين مياه الشرب المعدنية في طهران، نقله في 15 الجاري موقع detaly الإسرائيلي الناطق بالروسية عن صحيفة معاريف. والصحيفة بدورها نقلت معلوماتها عن الإعلام الإيراني، الذي أفاد بأن طهران تشهد إقبالاً شديداً على شراء المياه المعبأة بسبب نقصها، والمخاوف بشأن جودة مياه الأنابيب. كما ارتفعت أسعار المياه المعدنية بشكل حاد.

كما نقلت الصحيفة عن الإعلام عينه تأكيده في 2 الجاري أن المياه في طهران تكفي لمدة أسبوعين. وللتصدي للأزمة، عمدت السلطات في العاصمة لإغلاق المراحيض العامة. ورأت أن الكارثة يقف وراءها سببان: الجفاف القياسي وسنوات من سوء إدارة المياه. ولسنوات مديدة، كان مسؤولون فاسدون مرتبطون بالحرس الثوري الإيراني ينفذون مشاريعَ ضخمة لإمدادات المياه. وقد أدت هذه المشاريع إلى جفاف بحيرات السدود. وعلاوة على ذلك، تعاني أنابيب المياه في إيران من تآكلٍ شديد، مما يؤدي إلى فقدان البلاد ما معدله 15% من مياهها بسبب هذا التآكل وحده.

توقفت الصحيفة عند وقائع الجفاف الذي يضرب إيران. وأشارت إلى أنه منذ مطلع الشهر المنصرم، تراجعت نسبة المتساقطات في إيران بنسبة 83% عما كانت عليه السنة الماضية. ولم تشهد 20 محافطة إيرانية من المحافظات 31 أي متساقطات خلال هذه الفترة من السنة. 

 

وفي تفسير ديني غيبي لعطش طهران الكربلائي، نقل موقع detaly  عينه في 8 الجاري عن قناة التفلزة الإيرانية المعارضة Iran International إشارتها إلى تصريح أحد البرلمانيين الإيرانيين يتهم فيه معارضة الرئيس الإيراني للحجاب بالتسبب في انخفاض معدل المتساقطات في إيران! وتوجه النائب عن منطقة طهران كامران غضنفري إلى الرئيس مخاطباً بالقول: "لقد أدت مقاومتك لقانون العفة والحجاب إلى انتشار الفساد والفاحشة في سائر أنحاء البلاد هذه السنة". وأضاف كامران مخاطباً الرئيس بقوله "سيدي الرئيس، ألا تعتقدون أن الله تعالى يقلل من نعمه علينا بسبب الفساد المستشري؟". ورأى أن سبب الكارثة يكمن "في خطاياك والخطايا التي نشرتها في المجتمع السنة الأخيرة". وختم البرلماني توجهه إلى الرئيس بالقول "ولكن إذا عاد الناس واتبعوا سبيل الهدى، فإن الله سينزل علينا بركاته مرة أخرى".

لعل تفسير الجفاف واحتباس المطر هذا في القرن الواحد والعشرين يقنع القائلين بالحوار مع أذرع نظام الملالي في لبنان والمنطقة بعبثية الجهود المبذولة للتوصل إلى نتيجة واقعية ما للحوار. وإذا صحت الشائعات التي جرى تداولها الإثنين في 17 الجاري عن إعلان الرئيس الإيراني بأن بلاده  لم تعد تخصب اليورانيوم في أي موقع، فإن هذا يشير إلى الطريقة الصحيحة في التفاوض مع نظام الملالي وأذرعه. 

 

أزمة المياه في إيران ليست جديدة، ومنذ سنوات طويلة يحذر المسؤولون الإيرانيون على أعلى المستويات من خطورتها. فقد أشار موقع الخدمة الروسية في BBC في 10 الجاري إلى أن خامنئي حذر من خطورة الأزمة في كلمته للإيرانيين بمناسبة عيد النيروز في العام 2011، وكرر تحذيره خلال السنوات التي تلت، "لكن شيئاً لم يتغير منذ ذلك الحين".

موقع mail.ru الروسي نشر في  11 الجاري نصاً تحدث فيه عن سعي السلطات الإيرانية لمكافحة نقص المياه في البلاد. وأشار إلى إعلان السلطات الإيرانية في 9 الجاري عن عزمها تقنين المياه في ساعات الليل من أجل التمكن من إعادة ملء بحيرات السدود التي تغذي طهران بالمياه، "لكن الحكومة تستعد لما هو أسوأ". 

كما أشار الموقع إلى اعتراف الرئيس الإيراني بضروة إجلاء سكان طهران بسبب أزمة المياه (أشير لاحقاً إلى التخلي عن هذه الاحتمال، ووضع مشروع لتزويد طهران بمياه البحر من الخليج). لكن الخبراء يحذرون من أن انهيار خدمة المياه في طهران أصبح من الصعب وقفه، وهو يهدد بإثارة المشاكل في مجال الأمن. 

 

نقل الموقع عن باحثين في جامعة كونكورديا الكندية وجامعة كاليفورنيا الأميركية إفتراضهم بأن الوضع الراهن هو نتيجة لسوء إدارة الموارد المائية على مدى عشرات السنين، بما في ذلك كثرة إقامة السدود المائية وحفر الآبار غير المبرر، وتدني فعالية القطاع الزراعي. ويرى الخبراء أن ارتفاع درجات الحرارة بشكل غير طبيعي ونقص هطول الأمطار كانا مجرد عوامل محفزة.

يقول الموقع أن طهران ليست المدينة الوحيدة التي تعاني من أزمة المياه. وينقل عن المدير العام لمصلحة المياه في مدينة مشهد إشارته إلى أن مستوى المياه في بحيرات السدود التي تمد المدينة بالماء، قد انخفض إلى 3%. وينقل عن صحيفة روسية أخرى قولها إن فعالية إدارة المياه لم تعد توصية، بل أصبحت ضرورة. 

ينقل الموقع عن الخبير الإيراني كافيه مدني قوله إن أزمة المياه تهدد أمن إيران بمشاكل "لم يكن العدو ليتمناها للبلاد". 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث