بين تشارلز وبرني وصعود الوجوه المسلمة: أفول الإسلاموفوبيا؟

محمد حلاويالثلاثاء 2025/11/18
Image-1763404162
الملك تشارلز: الإسلام ليس بابًا للخوف (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

هل نحن أمام خطاب إنساني جديد يعيد تعريف علاقة الإسلام بالغرب، وصعود سياسي وشعبي يعزّز التحوّل؟

منذ أكثر من عقدين، وتحديداً بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر، ظلّ الإسلام هدفًا لخطاب التخويف في الغرب، محاطًا بسيل من الشيطنة والتأويلات الخاطئة. ومع كل حدث سياسي في الشرق الأوسط، وإلى ما بعد الربيع العربي، ومن ثم ظهور "داعش"، كانت الهوة تتسع ويعلو صوت التحريض، لتترسخ الإسلاموفوبيا في الوعي الجماعي الغربي، حتى غدت جزءًا من الهوية السياسية لليمين المتطرف.

غير أنّ السنوات الأخيرة تكشف عن تحوّل ملحوظ: خطاب جديد يقدّمه سياسيون غربيون نافذون، صعود وجوه مسلمة إلى مواقع متقدّمة، وانفتاح شعبي على شخصيات عربية كانت تُقابل سابقًا بالريبة.

وفي صدارة هذا التحوّل، تأتي مقابلة برني ساندرز مع الملك تشارلز الثالث، إلى جانب ثلاث محطات أخرى تتناولها هذه المقالة.

 

أولاً: برني ساندرز… يهودي تقدمي يفكك ماكينة الشيطنة

يكتسب كلام برني ساندرز أهمية استثنائية، لكونه أحد أبرز وجوه اليسار الأميركي، ولأنه يتحدث من موقع يهودي يملك شرعية أخلاقية في مقاربة قضايا الهوية والدين.

كشف ساندرز عن حوار مطوّل جمعه بالملك تشارلز، وصفه بأنه "من أكثر الحوارات الإنسانية صدقًا"، هدفه فهم حقيقة الإسلام بعيدًا من ضجيج الحرب والخوف.

قال الملك: "حين دخلت مساجد القاهرة وإسطنبول ولاهور، أدركت أن الإسلام يعلّم الاستسلام لله… لا الهيمنة". وفي اقتباس آخر شديد الدلالة: "الإسلام ليس بابًا للخوف، بل باب للسلام الداخلي… وهذا ما لم يفهمه الغرب بعد".

وأكد أيضًا: "الحضارة الإسلامية حفظت للعالم نور المعرفة حين غرقت أوروبا في الظلام".

يقول ساندرز: "الإسلام شريكٌ لا خصم"، ويضيف: "العالم في أمسّ الحاجة إلى الفهم… والإسلام ليس عدوًا للغرب"، "لقد بنينا جدرانًا بدلًا من جسور، واستبدلنا الاحترام بالشك، وسمحنا للإعلام بأن يشوّه حقيقة الإسلام لعقود".

هذه العبارات تمثّل أول مراجعة جادّة من داخل النخب الغربية لسنوات من الخطاب المُسيء. 

 

ثانيًا: زهران ممداني… عندما ينتخب اليهود والمسيحيون مرشحًا مسلمًا

يُعدّ فوز السياسي التقدمي زهران ممداني محطة مفصلية في تراجع الإسلاموفوبيا. فالرجل لم يفز بأصوات المسلمين فقط، بل حصد دعمًا واسعًا من اليهود والمسيحيين الذين رأوا في خطابه دفاعًا عن الكرامة الإنسانية ورفضًا لخطاب الكراهية تجاه كل الأديان.

وتكشف هذه النتيجة عن دلالتين بارزتين:

- لم تعد الإسلاموفوبيا ورقة انتخابية رابحة كما كانت.

- التحالفات العابرة للأديان باتت ممكنة عندما يُبنى الخطاب على العقلانية والعدالة.

ممداني قدّم نفسه كسياسي قادر على تمثيل الجميع، لا كمرشح بواجهة دينية، وهو ما أعطى فوزه بعدًا وطنيًا مهمًا.

 

ثالثًا: عبد الرحمن السيد (عبدول)… من تدريس الأوبئة إلى أبواب حاكمية ميشيغن

يبرز الطبيب المصري-الأميركي عبد الرحمن السيد، المعروف بـ"عبدول"، كأحد أبرز المرشحين لحاكمية ولاية ميشيغن. وفي حال فوزه، سيكون: أول حاكم مسلم في تاريخ الولايات المتحدة. ⁠وأصغر حاكم ولاية منذ العام 1978.

يقول عبدول: "أنا لا أترشح لأكون أول حاكم مسلم… بل لأكون أفضل حاكم لميشيغن". فنجاحه في إدارة الصحة العامة في ديترويت، ومسيرته الأكاديمية في جامعة كولومبيا، يجعلان منه نموذجًا للمسلم الأميركي القادر على كسر الصورة النمطية وإثبات الكفاءة بعيدًا من منطق الهوية الضيقة.

 

رابعًا: استقبال أحمد الشرع… تغير في المزاج الأميركي العام

شهدت زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى الولايات المتحدة استقبالًا سياسيًا وشعبيًا هادئًا، على عكس ما كان يُتوقع في مرحلة ما بعد 11 أيلول/سبتمبر، حين كانت الزيارات الرسمية العربية تُقابل بقلق وتحريض إعلامي. رغم الخلفية الدينية والسياسية للرئيس الشرع.

أُحيطت الزيارة بنقاش سياسي طبيعي، بعيدًا من الخطاب التحريضي القديم، وهو ما يعكس تراجع الصورة النمطية التي ربطت العربي والمسلم تلقائيًا بالتهديد.

 

الإسلاموفوبيا… مفهوم صُنع إعلاميًا ويتراجع اليوم

الإسلاموفوبيا ليست مجرد "خوف من الإسلام"، بل مشروع سردي وسياسي بُني تدريجيًا لربط الإسلام بالعنف وعدم الاندماج. وقد قامت على خمسة أعمدة أساسية:

- ربط الإسلام بالإرهاب بعد 11 أيلول.

- تصوير المرأة المسلمة كضحية دائمة.

- مساواة الهوية الإسلامية بالتطرف.

- شيطنة الهجرة من الدول الإسلامية.

- تقديم المسلم كـ"آخر" غير مندمج في المجتمع الغربي.

لكنّ أبحاث معهد السياسة الاجتماعية والتفاهم (ISPU) أثبتت أن الواقع مختلف تمامًا: المسلمون الأميركيون أقل ميلًا للعنف، وأكثر تمسكًا بالعدالة الاجتماعية، ونساؤهم يرتدين الحجاب بدافع شخصي وروحي.

لماذا يتراجع هذا الخطاب اليوم؟ لأسباب عدّة، أبرزها:

- اندماج المسلمين في المؤسسات السياسية والتعليمية والصحية في الغرب، وخصوصا في الولايات المتحدة الأميركية. 

- ⁠صعود قيادات مسلمة تفرض حضورها وكفاءتها.

- ⁠رفض الجيل الغربي الشاب لخطاب الكراهية.

- ⁠قدرة المسلمين على تقديم روايتهم المعبرة عن جوهر الإسلام عبر الإعلام الرقمي.

هذه العوامل مجتمعة أسقطت كثيرًا من الأساطير التي بُنيت عليها الإسلاموفوبيا.

 

بداية نهاية الإسلاموفوبيا

تشير هذه المحطات -من مراجعات الملك تشارلز وبرني ساندرز، إلى صعود وجوه سياسية مثل ممداني وعبدول، وصولًا إلى استقبال الشرع- إلى أننا أمام مرحلة جديدة في العلاقة بين الغرب والإسلام. مرحلة تتراجع فيها الكراهية، وتنهض فيها قيم الفهم المتبادل، ويُعاد فيها تقديم الإسلام كدين: للرحمة، ⁠للعدالة، للتواضع، ⁠وللاحترام العميق للإنسان والطبيعة. كما قال الملك تشارلز: "الإسلام ليس خصمًا… بل حضارة ساعدت العالم على أن يرى نور العلم من جديد". ويختتم ساندرز بعبارة تصلح عنوانًا للمرحلة الجديدة: "الحقيقة ليست غربية ولا شرقية… بل إنسانية".

وهكذا تُكتب اليوم صفحات أولى من نهاية الإسلاموفوبيا، وبداية خطاب عالمي أكثر عدلًا واتزانًا.

بقي على الإسلام السياسي، بتنويعاته، أن يلاقي العالم في هذه الوجهة الجديدة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث