فلسطين في باريس لا في الشرق الأوسط

عمر قدورالسبت 2025/11/15
Image-1763191188
من مؤتمر "فلسطين وأوروبا: إرث الماضي وديناميكيات الحاضر" (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

صباح الجمعة، أتى منظّمو وجمهور مؤتمر "فلسطين وأوروبا: إرث الماضي وديناميكيات الحاضر" ليجدوا عبارات كتبها مناصرون للصهيونية على الرصيف، بالضبط أمام مدخل المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في باريس، حيث يُعقَد المؤتمر. جدير بالذكر أن Collège de france كانت ستستضيف جلسات المؤتمر بالتعاون مع المركز العربي، إلا أن المؤسسة البحثية العريقة تراجعت عن الاستضافة أيضاً تحت ضغط مناصري الصهيونية. هؤلاء لا يخفون أنفسهم، فواحد من العبارات المكتوبة أمام المركز تنص حرفياً على أن معادة الصهيونية مساوية لمعاداة السامية، وهي الدعاية التقليدية للصهيونية.

ولا شكّ في أن المداخلات التي قُدِّمت في المؤتمر، بالفرنسية والإنكليزية والعربية، هي جميعاً من النوع الذي يُغضب مناصري الصهيونية، لا بسبب التوجه السياسي الداعم للقضية الفلسطينية وحسب، وإنما في المقام الأول بسبب المعلومات عن فلسطين التي سعت الصهيونية إلى طمس بعضها، وإلى انتزاع البعض الآخر من سياقه التاريخي. ومن المؤكد أيضاً أن أنصار الصهيونية سعوا دائماً إلى إنكار وتغييب التاريخ القريب، لصالح القراءة الصهيونية للتوراة، وهي قراءة قريبة العهد أيضاً، ولا تنتمي إلى القراءات الدينية لأرض الميعاد التي كانت سائدة حتى منتصف القرن التاسع العشر.

 

يأتي المؤتمر بعد سياق من التحركات المناهضة لإسرائيل في بلدان الغرب، وقد شهدت باريس الكثير من المظاهرات الداعمة للفلسطينيين، وشارك فيها منتمون إلى العديد من الأجيال، والمبشِّر في التنوع هو جيل الشباب الذي شارك بوفرة وفعالية. هذا الحراك بمجمله يضعنا حيال مفارقة حقيقية، يعرفها مَن عايش الحراك على كثب، ففلسطين كانت حاضرة خلال ما يقارب سنتين في باريس أكثر مما هي حاضرة في دمشق أو القاهرة، أو حتى في بيروت حيث صارت القضية الفلسطينية رمزاً لاحتكار حزبي، بدل أن تكون قضية عمومية بجوانبها الأخلاقية والإنسانية والسياسية.

فكرة العجز عن الفعل التي تُساق لتبرير انعدام الحراك في بلدان الشرق الأوسط، هي في أحسن الأحوال فكرة سطحية، يفترض أصحابها أن يكون المردود فورياً، وهو ما لا يحدث عادةً في النضالات السياسية والوطنية. الفكرة الثانية التي تحتاج إلى مراجعة، هي أن العرب انخرطوا أكثر مما يجب في القضية الفلسطينية، وفي كثير من الأحيان على حساب أصحاب الشأن الفلسطينيين. وهي فكرة تصحّ على تدخل الأنظمة العربية في الشأن الفلسطيني، وفرض أجندات وتوجّهات على القيادات الفلسطينية، أو حتى تصنيع البعض منها، إلا أن الانشغال العربي الشعبي بالقضية الفلسطينية لا يتعدّى فعلياً عقدين من الزمن، ونعني به الانشغال الحقيقي الفاعل، لا ذلك الإعلامي الذي يجتر نفسه ضمن إعلام تابع للأنظمة.

 

الفكرة الثالثة التي تحتاج إلى تمحيص عربياً، هي فكرة الانفكاك عن الشأن الفلسطيني من أجل خلاصٍ لبلدانٍ تأذّت من حمل القضية، وأصحابها يظنّون أن "التوبة" عن فلسطين ستعفي هذه البلدان من آثار ما يحدث في الجوار الفلسطيني، بل لا يندر أن يُلوَّح بمكاسب سيأتي بها السلام مع تل أبيب. مع أن أبسط دروس الاستقرار تفيد بأن بقاء بؤرة مشتعلة في الجوار كفيل بإشعال الإقليم في أية لحظة، ومخاطر الانفجار تزداد على الإقليم كلما سُدّت أسباب الحل في بؤرة الصراع.

الفكرة الرابعة متصلة بقناعة رائجة عربياً، مفادها أن العرب يعرفون القضية الفلسطينية جيداً، وهذا يصحّ لدى الغالبية التي ترى فيها قضية حق، من دون فهم سياسي حقيقي يساير التطورات منذ إنشاء الدولة العبرية. وحتى الفهم المبني على دعم القضية بوصفها حركة تحرر وطني بالمعنى الكلاسيكي قاصرٌ سياسياً، وهذا مُتضمَن فيما أشار إليه في افتتاح مؤتمر باريس الدكتور عزمي بشارة، المدير العام لـ"المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات"، بالقول: ربما لم يعد يُزعج إسرائيل أن تُعد كيانًا سياسيّاً ناجماً عن عمليّة استعمار استيطاني، فهي لا تُمانع أن تنضم إلى نادي دول مثل الولايات المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلندا، وقد بلغت من الثّقة بالنّفس حد الاعتراف بتاريخ من السلب والنّهب، مكتفيةً بالتأكيد على الصلة الدينيّة التاريخيّة لإسرائيل التي حوّلت التوراة إلى وثيقة عقاريّة وسياسيّة... فالحديث ليس عن استعمار استيطاني فحسب، بل عن نوع من الاستعمار الاستيطاني يُنتج نظامَ فصلٍ عنصرياً كما كان عليه الحال في جنوب أفريقيا. فالمؤسّسة الإسرائيليّة بتياراتها المختلفة، سواء تلك التي تُبرّر إنشاء نظام أﭘارتهايد، أو تلك التي تُنكر وجوده، تُصر على دولة يهوديّة".

 

والحق أن معظم الفهم الشائع إما أنه يعود إلى ما قبل الاتفاق الإسرائيلي على يهودية الدولة، أو أنه لا يلحظ أهمية الإصرار الإسرائيلي على يهودية الدولة، وترجمته العملية إلى نظام فصل عنصري. وجدير بالتذكير أن الإصرار على يهودية الدولة تزامن مع تراجعٍ عن مبدأ السلام وعن القبول بحل الدولتين. أي أن إسرائيل لا تقبل بأن يكون للفلسطينيين دولة مستقلة، ولو منزوعة السلاح لا تهدد أمنها، ولا تقبل أيضاً باستسلام فلسطيني، يقبل بموجبه الفلسطينيون التخلّي عن حقوقهم الوطنية لقاء حقوق المواطنة في إسرائيل.

يُفترض بأي فهْم معاصر للقضية الفلسطينية أن يلحظ الأفق المسدود التي تريده إسرائيل للقضية، بتحويل أصحابها إلى ضحايا نظام فصل عنصري واقعياً، بينما تحافظ ظاهرياً على شكلها كقضية تحرر وطني. وهذا، فوق القضم الإسرائيلي المتواصل للمحتوى الوطني والمواطني للفلسطينيين، يمثّل تحدياً فكرياً، لأن الطرف المهدَّد هو حالياً نصف السكان على أرض فلسطين التاريخية، ولن يكون من السهل إخضاع هؤلاء لنظام فصل عنصري مستدام، ولن يكون سهلاً أيضاً تجنب الانفجارات غير المحسوبة لوضعية غير قابلة للديمومة، سواء تلك الانفجارات ضمن الأراضي الفلسطينية، أو تلك التي تمس الأمن الإقليمي ككل.

 

بعبارة أخرى، لم يعد المطلوب فقط، وفق ترسيمة التحرر الوطني المعهودة، الحصول من إسرائيل على حل الدولتين. فالوصول إلى هذا الهدف، إذا كان ممكناً، يقتضي المرور بتحطيم العقل الإسرائيلي الذي يرفض أي مستقبل لتطلعات فلسطينيي الضفة وقطاع غزة. فضلاً عن أن تحطيم هذا العقل ضروري لفلسطيني 1948، بما أن يهودية الدولة لن تستثنيهم، ولو بعد حين، من نظام الفصل العنصري.

وأن تكسب الآلة العسكرية حرب القوة، فهذا يشير إلى أن الإجابة على المعضلة ليست بسيطة، إلا أن الإجابة الأنضج مطلوبة بقدر المخاطر الماثلة على الفلسطينيين، وعلى الجوار. انتهاء الحرب على غزة، إذا حدث، يجب ألا يحجب الحاجة الماسّة للتفكير في القضية انطلاقاً من النوايا الإسرائيلية المعلنة. وسيكون من المؤسف دائماً أن تكون قابلية تفهّم القضية الفلسطينية أعلى في مدن مثل باريس، بينما يغيب الفهم الضروري في بلدان مرشّحة لتدفع ثمن عدم الفهم واللامبالاة. 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث