قال الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع في أحد تصريحاته الأخيرة: "أنا أعتزّ بتاريخي، ولا أخجل من أي مرحلة تاريخية مررت بها". جملة قصيرة، لكنها في السياق السوري ليست عادية. فهي تصدر عن رجل يحمل في تاريخه مساراً طويلاً من التحولات المثيرة للجدل، من العراق إلى سوريا، من "القاعدة" إلى "النصرة"، وصولاً إلى "هيئة تحرير الشام". لهذا، لا يمكن التعامل مع العبارة بوصفها مجرد تعبير عن الثقة بالنفس؛ بل كإعلان سياسي يطلب من السوريين أن يتعاملوا مع ماض مثقل بالعنف كأنه جزء من "هوية وطنية" يجب تقبّلها من دون مراجعة أو مساءلة.
هذه العبارة، في بنيتها اللغوية، تستدعي -على نحوٍ غير مقصود- عنوان قصيدة محمود درويش الشهيرة "لا تعتذر عمّا فعلت"، التي شكّلت في الشعر العربي الحديث "نموذجاً لتحليل العلاقة بين الفعل والذاكرة، بين الندم والمصالحة، بين الذنب والمعنى". غير أن تشابه العنوانين لا يخفي التناقض الجوهري بين منطق الشاعر ومنطق السياسي. فدرويش في قصيدته لا يدعو إلى إنكار الفعل؛ بل إلى تأمله. أما الشرع، فيجعل من عدم الاعتذار موقفاً سياسياً نهائياً، كأن الفعل لا يستدعي تفكيراً ولا مراجعة.
في القصيدة -كما توضح الكثير من الأبحاث المنشورة حولها- يبني درويش خطابه على ضمير المخاطب، يخاطب "أنت" متخيلة، قد تكون "وجهه الآخر أو ذاته الممزقة بين الحنين والذنب". صيغة الأمر "لا تعتذر" لا تحمل نفياً أخلاقياً؛ بل سؤالاً وجودياً: كيف يعيش الإنسان مع أخطائه من دون أن يتهرب منها، أو يغرق في الندم العقيم؟ في نهاية القصيدة؛ يبلغ المعنى ذروته بالعبارة الاستثنائية: "لا تعتذر إلا لأمّك"، وهي كما تقول تلك الأبحاث؛ الجملة الوحيدة التي تمنح الاعتذار شرعية داخل النصّ. فالأم هنا ليست مجرّد أمّ بيولوجية؛ بل رمز للوطن –فلسطين- التي فقدها الشاعر، والأرض التي تتحول إلى الضمير الجمعي والذاكرة الحيّة. ولذلك يصبح الاعتذار فعل انتماءٍ لا ضعفاً، عودةً إلى الجذر الأخلاقي والإنساني الذي يربط الفرد بمكانه الأول، بالأم التي تمثّل الأصل والجذور والذاكرة.
بهذا المعنى، فإن "الأم" في قصيدة درويش ليست شخصاً؛ بل فكرة الوطن الذي يخطئ أبناؤه في حقه، لكنهم لا يزالون قادرين على العودة إليه بالاعتذار. إنها لحظة اعتراف روحي تعيد للإنسان توازنه أمام الوجع.
أما في خطاب الشرع؛ فالوطن لا يعود موضعاً للاعتذار؛ بل يتحول إلى ذريعة للفخر. السياسي يقول: "أعتزّ بتاريخي"، في حين أنَّ الشاعر يقول: "أعتذر لأمي". الأول يبرر الفعل، والثاني يعترف به. وبين الاعتزاز الذي يلغي الندم، والاعتذار الذي يعيد المعنى إلى الضمير؛ ترسم الحدود بين لغة السلطة ولغة الشعر.
حين يتحدث الشرع عن تاريخه؛ فإنه يتحدث عن سجلّ لا يمكن عزله عن مآسي المنطقة. فمنذ العام 2003، انتقل من سوريا إلى العراق، وانخرط منتحلاً عدة أسماء في تنظيم القاعدة بقيادة أبي مصعب الزرقاوي، في مرحلة عُرفت بالتفجيرات الطائفية التي مزقت العراق: تفجير مرقد الإمامين العسكريين في سامراء عام 2006، تفجيرات سنجار، وسلسلة تفجيرات الكرادة التي استهدفت الأسواق والمساجد. بعد اعتقاله في معسكر بوكا في العام 2005، وإطلاق سراحه في العام 2011؛ عاد إلى سوريا ليؤسس لاحقاً فرع القاعدة الجديد "جبهة النصرة لأهل الشام". منذ ذلك الحين؛ ارتبط اسم الجبهة بتفجيرات في حلب ودمشق، وبمجزرتي عدرا العمالية بدمشق وقلب لوزة في إدلب، وبخطف راهبات معلولا، وبمعارك ضد فصائل الجيش الحر، فصادرت أسلحتها واعتقلت رموزها. لاحقاً، ومع تحوّل النصرة إلى "هيئة تحرير الشام"؛ شهد الشمال السوري حملات اعتقال ناشطين وصحافيين، وعدة اغتيالات وُجهت أصابع الاتهام فيها إلى الهيئة، ومن بين هؤلاء: رائد فارس وحمود جنيد في كفرنبل اللذين اغتيلا في العام 2018، في حين اعتقلت عبد الباسط الساروت فترة، وهو الذي أصيب منتصف العام 2019 خلال إحدى معارك فصيله "جيش العزة" التابع للجيش الحر ضد الهيئة، ثم نُقل إلى تركيا للعلاج حيث انتهت حياته فيها. كل هذا حدث وسط خطاب تكفيري- عنفي مزّق صف الثورة وعمّق جراحها.
في العراق تحديداً؛ قد يكون أحمد الشرع غير مسؤول عن العمليات الإرهابية لأنه "كان في التاسعة عشرة من عمره"، كما قال في إجابة على سؤال مذيعة قناة "فوكس نيوز" الأميركية، لكنه في سوريا؛ تولى قيادة جبهة النصرة وقد بلغ سن النضج، وصار قائداً لكل تحولاتها وتغيراتها.
هذا هو التاريخ الذي يقول الشرع إنه يعتزّ به. لكن من منظور تحليل الخطاب؛ فإن مثل هذا القول لا يعكس تصالحاً مع الذات؛ بل ممانعة للاعتراف. في لغة درويش؛ الاعتذار هو ذروة الوعي، أما في لغة السلطة؛ فالاعتزاز يتحول إلى آلية لإنكار الخطأ، وتحويل الفعل إلى سردية بطولة. وبين الاعتراف والتبرير، تتحدد طبيعة العلاقة بين الحاكم والتاريخ، وبين الفرد والجماعة. وتتجلى الفجوة هنا بين "لا تعتذر" كشعر، و"لن أعتذر" كسياسة. في الشعر، الاعتذار جزء من عملية التطهر، أما في السياسة؛ يصبح الاعتذار تهديداً للهيبة.
درويش كتب نصه وهو يواجه ذاته المجروحة، أما الشرع فيتحدث إلى شعب جريح يطالبه أن ينسى ما جرى، وأن يرى في الجرح انتصاراً. الأول (درويش) يخاطب الأم بوصفها الوطن، والثاني يخاطب الوطن وكأنه أمّ لا يحق لها أن تطلب الاعتذار.
هذه المفارقة تفتح سؤالاً سياسياً وأخلاقياً عميقاً: إذا كانت فلسطين هي الأم التي تستحق الاعتذار عند درويش، أفلا تستحق سوريا، التي نُهكت وانتُهكت بالحرب والدمار والانقسام، اعتذاراً صادقاً ممن حكمها، أو قاتل باسمها، أو صمت عن ألمها؟ فالاعتزاز لا يبني الأوطان؛ بل الاعتراف. والمصالحة لا تبدأ بنفي الخجل؛ بل من شجاعة الاعتذار.
لقد بنت دول كثيرة تجربتها بعد المأساة على هذه الحقيقة: من جنوب إفريقيا إلى تشيلي وألمانيا، لم تكن المصالحة ممكنة إلا بعد الاعتراف والاعتذار، لأنهما وحدهما يعيدان للذاكرة كرامتها وللوطن معناه.
ولعلّ المفارقة الأعمق هي أن درويش الذي كتب "لا تعتذر عمّا فعلت" كان في جوهر قوله يعتذر، ولكنه اعتذار لا يقال بالكلمات بل بالفعل، اعتذار يتجلى في الفهم والعودة والمراجعة والإصلاح. أما السياسي الذي يردّد "أنا أعتزّ بتاريخي"، فإنه لا يطلب الغفران بل يطلب النسيان. وفي هذا الفارق تكمن مأساة (معضلة) الأخلاق في السياسة: فالشعر يعلمنا أن نعتذر لأننا بشر، والسياسة تذكّرنا أننا نخجل لأننا تجرأنا على الاعتراف.
سوربا اليوم، وهي تحاول أن تعيد بناء نفسها من رماد الحرب؛ تحتاج إلى هذا البعد الإنساني في السياسة، لا إلى إعادة تدوير لغة التبرير. يمكن للشرع أن يفاخر بماضيه، لكن لا يمكن للوطن أن يُشفى من دون كلمة واحدة تعيد ترميم العلاقة بين الجرح والذاكرة: أعتذر.
فكما كانت فلسطين عند درويش هي الأم التي تستحق الاعتذار لأنها فقدت أبناءها؛ فإن سوريا اليوم هي الأم التي تستحق الاعتذار لأنها لا تزال تنزف. سوريا التي أنهكتها الحروب والخيبات لا تحتاج إلى من يفاخر بتاريخه؛ بل إلى من يملك شجاعة ويقول لها كما قال درويش لأمه، فلسطين: "أعتذر لأنني جرحتك، وأريد أن أبدأ معك من جديد".
فهل يفعل؟
