بينما يدخل الرئيس السوري البيت الأبيض لأول مرة منذ استقلال سوريا، يتعرض الرئيس اللبناني للانتقادات والضغوط الأميركية، لتخلف بلاده عن اللحاق بركب التحولات الجارية في المنطقة. ولا يخفي الأميركيون استغرابهم لتخلف لبنان عن الاقتداء بالنموذج السوري، وقدرته المذهلة على التكيف مع مسار رياح التغيير التي تهب على المنطقة. ومن كان ليصدق سابقاً أن لبنان غربي الهوى والمسار، سيجد نفسه مرغماً على تبادل التوجهات مع سوريا، "قلب العروبة النابض"، التي اعتادت بعد استقلالها على النفور من الغرب والتوجه نحو الشرق.
وحتى في فترة الخمسينات التي أعقبت الانقلابات العسكرية وعرفت حرية العمل السياسي في ظل البورجوزاية، أبقت التطورات السياسية الاجتماعية سوريا على توجهها الشرقي العربي، الذي رماها في أحضان ديكتاتورية عبد الناصر. وكان عليها طيلة الفترة المنصرمة بعد "الإنفصال" وحكم آل الأسد الوحشي أن تنتظر حتى يأتي الإسلاميون وينصاعون لإملاءات الواقع، و"يتوجهون" غرباً.
ليست المفاوضات مع إسرائيل هي عنوان تحويل سوريا مسارها الشرقي المعتاد، بل كان اللقاء الأول بين الشرع وترامب في السعودية. وجاءت المفاوضات نتيجة الاستجابة لمترتبات الواقع، وليس لأوهام الأيديولوجيات القومية والدينية، التي كلفت سوريا والمنطقة، إضافة إلى الكثير من الدماء والدمار، تخلفاً مريعاً عن ركب تقدم البشرية المعاصر.
لا ينقص السلطة اللبنانية الحالية تمسكاً وإصراراً على التوجه نحو الغرب، لكن المسار السوري الذي تكلل بدخول الشرع إلى البيت الأبيض، يبرز حجم ما يقترفه حزب الله بحق لبنان وعودته إلى مساره التاريخي المعتاد بالتوجه غرباً. وليس من جديد في سلوك حزب الله، أكبر أذرع الحرس الثوري في المنطقة، إذ كان أحد الأسس التي قام عليها هو التوجه، ليس فقط إلى انتزاع لبنان من مساره الغربي، بل وتدمير الدولة اللبنانية. وجهد طوال فترة وجوده على تعزيز هذا التوجه بالمبتدع من السرديات الدينية المعادية للحياة، والداعية لكراهية كل ما يمت إليها بصلة، على ما نشهده اليوم في البيئة الشيعية "الحاضنة" للحزب. والذي تمدد بعض منه إلى المكونات اللبنانية الأخرى.
سلوك إيران وأذرعها في المنطقة، استدرج الكثير من الكوارث والحروب في المنطقة، وكان أحد أسباب التغول الإسرائييلي الحالي. وتعنت حزب الله الحالي في لبنان، وإنكاره للحال التي بلغها بعد الحرب الإسرائيلية التي استجرها على لبنان، جعل الأميركيين ينعتون لبنان بـ"الدولة الفاشلة" العاجزة عن الإلتزام بقراراتها. وهذا الوصف للدولة اللبنانية لا يعترض عليه حزب الله بالتأكيد، إذ أنه كرس كل جهوده وسلاحه منذ تأسيسه لكي يكون لبنان "دولة فاشلة". ويصر الآن في تعنته على رفض الإنصياع إلى مندرجات اتفاقية وقف إطلاق النار ومندرجات القرار 1701، على تكريس فشل الدولة اللبنانية وتعميقه. وهو ما يجعل صبر الأميركيين "ينفد"، ويمنحون الإسرائيليين الغطاء لاستئناف حربهم على لبنان "لمساعدة" الدولة اللبنانية في تنفيذ قراراتها بحصر السلاح بيدها.
في الأيام الأخيرة أشارت جميع مواقع الإعلام إلى "نفاد" صبر ترامب بعد فشل لبنان في نزع سلاح حزب الله، وإلى أن سلبية لبنان تجبر إسرائيل على التصرف منفردة. وقد نقلت الأسبوعية الأوكرانية ZN في 8 الجاري عن صحيفة وول ستريت جورنال قولها، إن كل الإثارة المحيطة بنزع سلاح حزب الله في لبنان قد تبددت، وحلت محلها السلبية وخيبة الأمل المعتادة. وهذا بدوره يُجبر الولايات المتحدة على السماح باستئناف العمل العسكري الإسرائيلي واسع النطاق. وأشارت الصحيفة الأميركية إلى الأوامر التي وجهتها إسرائيل إلى سكان عدد من قرى جنوب لبنان بمغادرة قراهم، ونفذ الجيش الإسرائيلي ضربات جوية على عدد من مواقع حزب الله. ونقلت هيئة تحرير الصحيفة الأميركية عن مسؤول عسكري إسرائيلي تأكيده بأن هذا "مجرد تحذير" لما قد يحدث إذا لم يقم الجيش اللبناني بنزع سلاح إرهابيي حزب الله. وأضاف المسؤول رفيع المستوى بالقول إن خط إمداد إيران بالأسلحة لحزب الله عبر سوريا لم ينقطع بعد بشكل كامل، وإن الإرهابيين يتسلحون بسرعة أكبر مما تستطيع إسرائيل تقليص قوتهم القتالية بضربات منفردة.
وقالت الصحيفة بأن الدرس الذي تعلمه الإسرائيليون من هجوم 7 اوكتوبر، هو أنهم لن يسمحوا مرة أخرى للجهاديين المدعومين من إيران بحشد قواتهم على حدودهم. ويشيرون إلى أن الحكومة اللبنانية قد التزمت بمنع مثل هذا الحشد، وعليها أن تنزع سلاح حزب الله قبل آخر السنة الجارية.
مجموعة RBC الإعلامية الأوكرانية أيضاً، نقلت في 10 الجاري عن Bloomberg قولها إن الولايات المتحدة مستعدة لدعم لبنان في تجريد حزب الله من سلاحه من أجل الاستقرار في البلاد. ونقل الموقع عن مسؤولين أمريكيين إعرابهم عن الاستعداد للمساعدة في استقرار الوضع في جنوب لبنان، حيث تشن إسرائيل غارات جوية منتظمة على مواقع حزب الله. ويهدف هذا الدعم إلى وقف أنشطة الجماعات المسلحة واستعادة سيطرة الدولة على كل الأراضي اللبنانية، من دون الكشف عن أشكال هذه المساعدة.
قد لا يكون الاستقرار في لبنان هو الهاجس الوحيد الذي يقف وراء استعداد أميركا للمساعدة في إقامته. فقد رأى الموقع الأميركي أن الوضع في لبنان يشكل خطرا على وقف إطلاق النار الهش في قطاع غزة بين إسرائيل وحماس، حليفة حزب الله ووكيل إيران الآخر. ومن المعروف أن الهدنة في غزة، هي جزء من خطة ترامب لإنهاء الحرب المستمرة منذ سنتين.
موقع detaly الإسرائيلي الناطق بالروسية نقل في 9 الجاري عن الموقع الإسرائيلي الآخر walla نصاً نشره الجنرال الإسرائيلي المتقاعد غيورا آيلاند، ناقش فيه مسألة الصبر الإستراتيجي الإسرائيلي الضروري لإتاحة الفرصة للعمليات الجارية في لبنان وغزة بالتحقق.
يرى الجنرال أن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية توصلت بعد هجوم أوكتوبر إلى إستنتاجين رئيسيين: عدم السماح لتنظيمات جهادية مثل حماس وحزب الله بالنمو، وضرورة عدم سماح إسرائيل بنشوء وضع تصبح فيه المستوطنات الإسرائيلية على الخطوط الأمامية للعدو.
وبما أن المستوطنات الإسرائيلية موجودة على الحدود مع لبنان وفي "غلاف غزة"، يرى الجنرال أن على إسرائيل إقامة مناطق عازلة في داخل أراضي العدو. ومثل هذه الاستراتيجية التي تلحظ إستنتاجي الأجهزة الأمنية المذكورين، يتم تنفيذها الآن في كل من غزة ولبنان وسوريا. وتبقى هذه الإستراتيجية صحيحة حتى تبرز عمليات أخرى قادرة على خلق وضع أمني أكثر ملاءمة من دون الاستخدام الكامل للإجراءين المذكورين.
يرى الجنرال أن مثل هذه العمليات تجري الآن داخل الأطراف الثلاثة. وهذه العمليات لا تزال في بداياتها، وتقدمها بطيء ولا يستطيع أحد أن يضمن نجاحها. ولكن في الحالات الثلاث يستحق الأمر منحها فرصة التبلور.
في لبنان، يرى الجنرال أنه بعد اتفاق وقف إطلاق النار الذي يحظر وجود حزب الله جنوب الليطاني، سرعان ما أخذت تتشكل دينامية كبيرة الأهمية. فقد قررت الحكومة اللبنانية تحت ضغط شديد من الولايات المتحدة نزع سلاح حزب الله في كل الأراضي اللبنانية. وهذه مهمة جسيمة من المشكوك فيه أن تنجح الحكومة اللبنانية بتنفيذها، ولكنها "تستحق منا الصبر ومنحها فرصة".
كما يرى الجنرال أن الضربات التي توجهها إسرائيل إلى حزب الله تحمل طابعاً جراحياً، "وهي صحيحة". ويعتبر أن الضربات الإسرائيلية المدروسة قد تساعد الحكومة اللبنانية، ولكن الضربات واسعة النطاق (وخصوصاً في منطقة بيروت) قد تعيقها.
