سنة كاملة تفصل بين فوز ترامب الكاسح برئاسة أميركا، وفوز زهران ممداني المدوي بزعامة نيويورك. خلال هذه السنة، كرس ترامب قسماً وازناً من رئاسته لتأليب أميركا ضد المهاجرين، وتصويرهم عقبة ضد استعادة أميركا دورها الرائد في العالم. وأميركا ترامب بالذات، هي إمبراطورية الثراء الفاحش التي يتناسى أن المهاجرين إليها قد بنوها، وكافأتهم بتحويلهم عبيداً وتقسيمهم بين أسود وأبيض، بعد أن قضت على الأصليين من سكانها، وحشرتهم في معازل.
زهران ممداني فاز في ظل أميركا ترامب العجوز هذه، وأعلن ليلة فوزه خروج أكبر مدنها وعاصمتها الاقتصادية عن طاعتها، وتوجه إلى العجوز ترامب بأربع كلمات كانت بمثابة إعلان الشباب حربهم على أميركا الهرمة، ومواصلة التغيير حتى بلوغ البيت الأبيض. لم تكن تعني أقل من ذلك كلمات ممداني الأربع: أنا مسلم، اشتراكي ديموقراطي، مهاجر، ولا أعتذر عن أي منها. وقال بأنه يعرف أن ترامب يتابع مهرجان الابتهاج بفوز المهاجر الأفرو- آسيوي، وطلب من العجوز أن يرفع الصوت ليسمع جيداً أن عاصمة المهاجرين نيويورك يحكمها منذ الليلة مهاجر.
اتهمت النخب القيادية في الحزب الجمهوري زهران ممداني بالشيوعية. وأكد ترامب بأنه ما دام هو في البيت الأبيض لن تصبح أميركا شيوعية. ولعل هذه الاتهامات لعمدة نيويورك الجديد الذي وعد بانقلاب اجتماعي، قد جعل البعض يتجاوز الكم الهائل من الفروقات واختلافات الظروف واللحظة التاريخية، ليقول بأن انتخاب ممداني عمدة نيويورك هو انطلاق بيريسترويكا أميركية. ومن الواضح أن هذا القول يستبطن الكثير من التشفي والرغبة الصريحة الساذجة بأن تنتهي أميركا إلى ما انتهى إليه الاتحاد السوفياتي. ويتجاوز هؤلاء حقيقة أن النظام الرأسمالي الذي تبلور من المسار الطبيعي للحياة، ويتضمن، كما الحياة نفسها، آلية الخروج من أيّة أزمة أو مأزق تعترضه. فالبلشفية بطبيعتها المناهضة للحياة، قامت على مقولة فرضت تغيير مسار الحياة الطبيعي بالقوة. لم تتمكن من مواجهة أي مأزق اعترضها سوى بالقمع، وانهارت أمام محاولة جعلها تتكيف ولو شكلياً مع الحياة الطبيعية للبشر. فالمساواة بين البشر التي ادعت البلشفية بناء هيكل سلطتها عليها، ولم تلتزمها يوماً، تناقض سنة الحياة التي تخلق البشر ذكراً وأنثى، معاقاً وسليماً، أبيض وأسود وأصفر، وتتركهم أمام صراع دائم يشكل محرك الحياة على الأرض وشرطها.
من الطبيعي أن يحاول الجميع البحث في أسباب هذا الفوز المفاجئ لمهاجر آسيوي إفريقي، حصل على الجنسية الأميركية منذ سبع سنوات، ووصف البعض فوزه بالتسونامي الديموقراطي. وفي هذا السياق نشر موقع الخدمة الروسية في BBC في 5 الجاري نصاً بحث فيه أسباب فوز زهران ممداني، وماذا يعني للحزب الديموقراطي.
ينقل الموقع عن النيويورك تايمز إشارتها إلى أن شهرة ممداني ذي الأربعة وثلاثين عاماً كانت تقدر بنسبة 1% في مطلع السنة الجارية، وكان فريقه يقدر حظوظه بالفوز بـ3%. لكنه الآن أصبح عمدة نيويورك الأصغر سناً خلال القرن الأخير، وأول عمدة مسلم من أصول أفرو آسيوية. وقد يكون الآن أكثر الديموقراطيين الاشتراكيين شهرة في الولايات المتحدة.
وإذا كان ترامب وقيادات الجمهوريين قد دعت إلى عدم انتخابه، أثار فوز ممداني أزمة في الحزب الديموقراطي، وأي سياسة سيعتمد في المستقبل. وكان أثرياء نيويورك قد هددوا بمغادرة المدينة إذا فاز ممداني بمنصب العمدة. وقد تجد آثار صعود ممداني على المشهد السياسي الأميركي في تصريحاته أثناء حملته الانتخابية بتأكيده لأنصاره بالقول "إننا نطيح بسلالة سياسية"، و"نحن نقلب صفحة السياسة التي تتنكر للأغلبية من الناس، وتخضع للنخب فقط".
يواصل الموقع تجميع بازل القوى المتناقض الذي ناهض وصول ممداني إلى قيادة أكبر مدن أميركا. فينقل عن شبكة ABC إشارتها إلى أنه بعد فوز ممداني في الانتخابات التمهيدية للحزب الديموقراطي، التقت مجموعة صغيرة من رجال الأعمال والسياسيين بعمدة نيويورك، وناقشت معه كيف يمكن تفادي وصول ممداني إلى عمدة نيويورك. كما أشارت الشبكة إلى أن "ديمقراطيين معتدلين ساخطين" آخرين خارج نيويورك أرادوا أيضاً منع فوز ممداني.
ينقل الموقع عن Axios إشارته إلى أن مؤسسات الحزب الديموقراطي قد أبدت استياءها من توجهات ممداني الاشتراكية، ودعمه الصريح لاستقلال فلسطين. ويلفت الموقع الأميركي إلى أن ممداني خفف بعد فوزه بالانتحابات التمهيدية من راديكالية حملته الانتخابية. فقد التقى مع ممثلي رجال الأعمال، وقال بإمكانية المشاركة بينهم وبين الإدارة المقبلة للمدينة. وصرح بأنه لا ينصح نشطاء تأييد الفلسطينيين استخدام التعبير الذي قال به سابقاً "عولمة الانتفاضة"، وإن كان رفض إدانته.
قد تكون إسرائيل هي الطرف الذي لم يفاجأ فقط بفوز ممداني؛ بل صدمها هذا الفوز الذي أكد تراجع التأييد الشعبي الأميركي، خصوصاً في صفوف الأجيال الشابة في الحزب الديموقراطي. وكان هذا التحول قد تجلى بعد الحرب على غزة في تظاهرات واحتجاجات الجامعات الأميركية، والتي لم تتخذ تل ابيب حيالها خطوات عملية تذكر، وعوّلت على قمع إدارة ترامب لوقفها. لكن فوز ممداني بقيادة نيويورك بيّن قصور القمع عن إسكات أصوات الشباب الاميركي، الذي كانت احتجاجاته تتعدى التأييد لفلسطين، وتجد أسبابها أيضاً داخل المجتمع الأميركي.
موقع detaly الإسرائيلي الناطق بالروسية نقل في 6 الجاري عن صحيفة هآرتس نصاُ رأى فيه الكاتب بأن انتصارات الديموقراطيين في الولايات المتحدة، هو إشارة تحذير لإسرائيل. وأشار كاتب النص أمير تيبون إلى أن فوز ممداني تصدر الأربعاء في 5 الجاري جميع الصحف الإسرائيلية بلا استثاء، وتجاهلت كلياً الانتخابات في بقية الولايات، حيث حقق الحزب الديموقراطي سلسلة انتصارات من "الساحل إلى الساحل".
يتوقف الكاتب عند أهمية وصول مسلم ومنتقد لإسرائيل إلى قيادة المدينة التي تقطنها أكبر جماعة يهودية خارج إسرائيل في العالم، وهو حدث يستحق الاهتمام بالطبع. لكنه يرى أن من المهم أيضاً أن "نرى" أن فوز ممداني هو جزء من مشهد أوسع يظهر واقعاً على الساحة الأميركية أكثر إشكالية لإسرائيل. فالانتخابات جرت في عدة ولايات، والنتيجة واحدة: نصر ساحق للديموقراطيين بعد سنة على فوز ترامب.
يقارن الكاتب بين نسب الأصوات التي أحرزها كل من الحزبين في الولايات التي جرت فيها الانتخابات، ويتوقف عند النسب العالية التي حققها الديموقراطيون. ويشير إلى أن ترامب فسر هذا الفارق الكبير لصالح الديموقراطيين بغياب اسمه عن أوراق الاقتراع. ويؤكد الكاتب أن الجمهوريين بالفعل يجدون صعوبة في المشاركة بالانتخابات من دون ترامب، وهو ما بينته الانتخابات التي جرت خلال رئاسة ترامب الأولى.
يطلق الكاتب على انتصار الديموقراطيين في كافة الولايات التي جرت فيه انتخابات تسمية "التسونامي الأزرق". ويقول بأن المهم لإسرائيل ليس فقط فوز ممداني في نيويورك؛ بل النظر إلى هذا الحدث ضمن المشهد العام لانتصار الديموقراطيين في أنحاء أميركا.
ويشير الكاتب إلى أن انتصارات الديموقراطيين تأتي في وقتٍ تشهد فيه مكانة إسرائيل داخل الحزب الديمقراطي أدنى مستوياتها على الإطلاق. حتى الديمقراطيون المعتدلون، الأكثر وسطيةً بكثير من عمدة نيويورك الجديد، تزداد انتقاداتهم لإسرائيل، ويتراجع ميلهم لدعمها عما كانوا عليه سابقًا.
كما يشير الكاتب إلى أن مواقع إسرائيل داخل الحزب الجمهوري لم تعد على سابق عهدها. ويرى أن هذا الواقع في الحزب الجمهوري وانتصارات الديموقراطيين يتطلب تعديل السياسة الإسرائيلية واتصالاتها.
