وفق المعلن سيكون الشرع في ضيافة ترامب، في البيت الأبيض يوم الاثنين المقبل. وسيُكتب ويُقال الكثير عن استثنائية الحدث، لكونه أول رئيس سوري يزور البيت الأبيض، وأيضاً سيُكتب عن مسيرة الشرع نفسه من مطلوب على قوائم مكافحة الإرهاب الأميركية والدولية إلى رئيس يُستقبل في قصر يرمز إلى القوة العالمية الأكبر. وقد يوقّع فيه اتفاقية انضمام إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، في حين تراجعت التوقعات الخاصة بتوقيعه اتفاقية أمنية كبرى مع إسرائيل في واشنطن.
جرياً على العادة، سيحتفل أنصار الشرع بزيارته البيت الأبيض، فوجوده هناك بعد رفع اسمه من لوائح الأمم المتحدة بقرار من مجلس الأمن هو بمنزلة تطويب خارجي نهائي. ومن المرجَّح حضور المقارنة مع عهد الأسد، حيث لم يزر الأب ووريثه واشنطن، لكن لن يحضر معها التركيز على مغزى ذلك لجهة الاحتضان الإقليمي الذي كان له الدور الأبرز في وصول الشرع إلى واشنطن، وأيضاً الاحتضان الدولي الذي يفصح عن رغبة في طي حقبة الأسد، بإعطاء الفرص للسلطة الجديدة وإزالة الإجراءات العقابية التي كان لها أثر بالغ على سلطة الأسد، وإن لم تُسقطه بالمعنى المباشر.
الشرع غير مُستَهدف دولياً، حتى إذا نحّينا فرضية وصوله إلى دمشق برضا دولي. وجوده في البيت الأبيض رسالة مفادها العكس تماماً، وهي يجب ألا تكون موجَّهة إلى خصومه بقدر ما يجب على أنصاره أن يدركوا أبعادها، خصوصاً عندما يقارنون بين حال العزلة السورية أيام الأسد والانفتاح الحالي المرحَّب به دولياً. إذ يقتضي المنطق أن تتحسن أوضاع السوريين عمّا كانت في حقبة الأسد، بما أنهم سيجنون فوائد الانفتاح. أليس تحسُّن الأوضاع هو الهدف؟
ومن المؤكد أن نسبة كبرى من الذين صاروا خصوماً للأسد في وقت متأخر لا يعلم أفرادها الكثير عن فحوى العزلة الاختيارية التي ارتضاها لنفسه، فالأبواب لم تكن مغلقة لا أمام حافظ الأسد ولا أمام وريثه. إلا أن الأول، على نحوٍ خاص، كان في زمن استقطاب المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي، وسعى إلى حضور إقليمي فخدمه الحظ بالحرب الأهلية اللبنانية التي كانت بوابته إلى النفوذ. والأهم أنه تبنّى نهج المعسكر الاشتراكي لا حباً بالاشتراكية، إنما اقتداء بأسوأ ما في تلك التجربة لجهة حكم الفرد الواحد.
لقد فهم الأسد أن الانعزال عن العالم هو بمنزلة ضمانة للاستبداد، وبخلاف الإنشاء البعثي والمدرسي عن مكانة سوريا الاستراتيجية لم يُبْدِ العالم منذ استقلال سوريا اهتماماً خاصاً بها؛ بل جارى الأسد في اختياره العزلة. وقد ظهرت آثار العزلة في مستهل "الربيع العربي"، فواشنطن كان لديها في مصر أوراق ضغط تستطيع عبرها التأثير، وربما التحكم، في مجريات الأحداث. في حين لم تكن تمتلك مثل هذه الأوراق في سوريا، ووحدها طهران كان لها نفوذ في أروقة السلطة.
يشير نموذج العزلة الأسدي إلى ضده من حيث أن الانفتاح الحقيقي على العالم يتطلب انفتاحاً على الداخل أيضاً، والسماح للخارج بأن يكون حاضراً ومؤثّراً في الداخل. الكلام هنا عن تبادل المؤثرات بين مختلف البلدان، وبالطبع للأقوى حصة أكبر من التأثير المباشر خصوصاً. هذا التبادل هو على الضد من السياسات الانعزالية تحت يافطات الخصوصية وسواها، لأن خصوصية المجتمعات شأن طوعي في المقام الأول، وفَرْضها من السلطة لا يُترجم إلا بنوعية محددة من الخصوصية التي تناسب بقاءها.
في العقدين الأخيرين على نحوٍ خاص شاعت دعاوى الانعزال عالمياً، وفي المركز الغربي بدءاً من واشنطن؛ أي إن الانفتاح قد لا يحمل المضامين الليبرالية التقدمية من جهة الغرب، الذي بدأ يتراجع عن الترويج لها بعد انتهاء الحرب الباردة. وهذه بالطبع فرصة لمن يريد انفتاحاً شكلياً فقط، لكن الانفتاح على المستوى الرسمي الخارجي، مع الانغلاق في الداخل، ليس وصفة قابلة للبقاء، وقد أثبتت هذه الوصفة فشلها في سوريا نفسها بعد اعتمادها لأربعة عقود قبل الثورة، ودوامها طيلة تلك المدة لا يعني أنها قابلة للبقاء مجدداً لفترة طويلة.
فعلياً ورمزياً، مع الوصول إلى البيت الأبيض، يكون الشرع قد حصل على أقصى دعم خارجي. هذه وضعية نموذجية من الاطمئنان إلى السند الخارجي، ليبقى امتحان الداخل الذي يحدد كيفية صرف هذا الدعم الدولي داخلياً. الأعلى صوتاً بين أنصار الشرع لا تخفى لهجتهم الانتصارية، عطفاً على أي دعم خارجي جديد، واللهجة الانتصارية تُترجم بما عرفه السوريون جيداً أيضاً لجهة الاستقواء بالخارج على الداخل، وترجمة الانفتاح على الخارج بالانغلاق على الداخل. على الصعيد نفسه، يجوز القول إن الشرع سيكمل بعد شهر سنته الأولى في السلطة، وأهم إنجاز فيها هو هذا الدعم الخارجي الذي لا يبدو مشروطاً أو متشدداً على أي مستوىً بقدر ما هو متساهل في العديد من الملفات.
يعرف متابعو الشأن السوري، خلال الأحد عشر شهراً الماضية، أن لقاءات الشرع والشيباني بمسؤولين دوليين، في دمشق أو في عواصم عالمية، تصدرت الإعلام والسوشيال ميديا، وكل لقاء جديد صُوّر على أنه إنجاز، وبعض اللقاءات وُصِفت بالتاريخية. في المقابل، ما ظهر في الداخل لم يكن مطمئناً على الإطلاق، لا على صعيد إرساء السلم الأهلي والعدالة الانتقالية، ولا على صعيد احترام فكرة الدولة ومؤسساتها. وهذا يشير إلى التعويل على الخارج وعدم الاكتراث بالداخل، أو في أحسن الأحوال إلى تغليب الاهتمام بالخارج على الاهتمام بالداخل.
جدير بالذكر أن الخارج لطالما استُخدِم في سوريا كشمّاعة لتبرير الفشل في الداخل، ولعل العلاقة الجيدة مع الخارج تسحب الذريعة التقليدية من التداول، لتكون السلطة مسؤولة عن أفعالها أمام العموم، فلا تصوِّر نفسها ولا يصوِّرها أنصارها في موقع الضحية المستهدَفة من مؤامرة خارجية. من هذه الزاوية، قد يكون الدعم والاحتضان الدوليين أفضل من علاقة غير واضحة المعالم، إذا كان للارتياح من جهة الخارج أن يضع السلطة أمام مسؤولياتها إزاء ما يُقال إنها قاعدتها الشعبية قبل خصومها.
مع نهاية العام الحالي يُفترض أن تنتهي السنة الأولى الاحتفالية، بما فيها الاحتفال بالذكرى الأولى لإسقاط الأسد. مع هذا التوقيت ستكون السلطة الجديدة قد مُنِحت، خارجياً وداخلياً، أفضل دعم وتسامح، وعندما تكون الظروف مواتية إلى هذا الحد فالتعثّر يأتي من السلطة نفسها لا من غيرها؛ إذ يُفترض أيضاً أنها نالت وقتاً كافياً للتعرّف على البلد الذي تحكمه وتتحكم به. صحيح أن مساءلة السلطة ليست من تقاليد البلد، وصحيح أن الإعلان الدستوري لا يتضمن أيّ بند يتعلق بمساءلتها، لكن هذا قد لا يكون خيراً، أو بالأحرى لن يكون لمصلحتها، ليس على المدى المتوسط أو البعيد قليلاً.
