اللامركزية بوصفها ضرورةً سوريّة غير طائفية

عمر قدورالسبت 2025/08/16
قلعة حلب (Getty)
يصعب تخيُل إعادة بناء دولة من دون عملية تشاركية على نطاق واسع (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

بعيداً عن الأضواء أعلنتْ، قبل حوالي أسبوع، حملةُ "لعيونك يا حلب" عن قرب إطلاق أول مستشفىً خيري في المحافظة، بالتعاون مع "الجمعية الطبية السورية الأميركية". الحملة كانت قد انطلقت في نهاية شهر حزيران الفائت، وأعلنت عن العديد من المبادرات أو الإنجازات، مثل تنظيف بعض الأحياء وترميم بعض المدارس، والتطوع للمساعدة في تنظيم المرور... إلخ.

كما يُفهم من السياق، تعتمد الحملة الحلبية على التبرعات والمتطوِّعين. استمراريتها ونجاحها المتناسب مع الإمكانيات ربما حفّزا انطلاق حملة أُطلق عليها اسم "أربعاء حمص"، حيث أمكن جمع تبرعات بقيمة حوالي 13 مليون دولار في انطلاق الحملة الحمصية التي شهدت بهرجة إعلامية حكومية، بخلاف نظيرتها الحلبية. الأخبار كانت في الوقت نفسه تأتي من الغاب والساحل عن الحرائق الواسعة المدعومة بارتفاع شديد في درجات الحرارة، ومن بين الصور المؤلمة وردت صور أهالي تلك المناطق الذين اندفعوا لإطفاء حرائق الغابات بأدواتهم البدائية، أو لتقديم الدعم للذين يقومون بالإطفاء.

 

هذه مجرد أمثلة، متواضعة بطبيعة الحال، عن مبادرات مجتمعية. من أسباب تواضعها أنها جاءت بعد دمار شديد جداً أنهك البشر والحجر، وعدم دخول البلد في حالة استقرار سياسي واقتصادي وأمني. وهو الأمر الذي يلجم العديد من المبادرات؛ الداخلية والخارجية. والجدير بالتذكير أن ستة عقود من حكم البعث والأسد أجهزت على روح المبادرة التي تنتعش ضمن نمط سياسي مختلف عن حكم العسكر والمخابرات؛ بل هناك حالات معروفة اعتُقل فيها أصحاب مبادرات، منها مثلاً اعتقال ناشطين في داريّا قبل الثورة. 

الحكم المركزي، في واحد من وجوهه، يقضي على المبادرات المجتمعية، ليصبح المجتمع بأكمله في حالة انتظار لما يصدر عن السلطة. السلطة المركزية نفسها، بغياب روح المبادرة، تتحول إلى مستحاثة بيروقراطية في أحسن الأحوال. ذلك سينعكس على كافة الأصعدة، لخضوعها جميعاً لمبدأ المركزية، فالتنمية غير المتوازنة نتيجة أخرى منطقية، سواءً كانت بسبب تخطيط مركزي أو بسبب تفضيل رأس المال القرب من مركز السلطة، والشراكة الإجبارية بين الجانبين يعرفها السوريون جيداً.

 

لا مبالغة في القول إن المركزية هي أمّ الكوارث، وهي بطبيعتها أمّ أنظمة الاستبداد. الديموقراطية في بداياتها كانت كسراً لما تعنيه المركزية لجهة احتكار السلطة، عبر تداول الأخيرة. إلا أن الديموقراطيات بمعظمها اتجهت إلى كسر الاحتكار عبر إعادة توزيع السلطة، من رأس الهرم إلى قاعدته، بحيث تكون السلطات أكثر تشاركية.

ثمة نماذج لامركزية توحيدية؛ أي إنها قامت أساساً على اتحاد المختلفين إثنياً أو دينياً، (أو حتى بلا اختلاف ديني وإثني كما هو حال دولة الإمارات العربية)، وثمة نماذج لديموقراطيات مركزية اتجهت إلى اللامركزية. مشكلة سوريا أنها اليوم عالقة في الخيار الأول، فلا هو قيد التحقيق، بل يبدو دونه الكثير من الدماء، ولا يسمح أيضاً بفتح نقاش معمم حول الخيار الثاني؛ أي في اللامركزية السورية بوصفها ضرورةً وطنية غير طائفية.

لقد وصل الأمر، في عهد قريب، ببعض من الذين هم الآن في السلطة إلى التنظير للكيان السنّي، عندما كان الكيان العتيد يقتصر على إدلب. هذا نموذج واقع تحت ضغط الظروف، مثلما هو الحديث اليوم عن كيان درزي في السويداء، فالدافع في الحالتين هو القطيعة المستحكمة مع المركز. والقطيعة التي تأخذ هذا المنحى الراديكالي تنجم دائماً عن منطق الاستئثار والهيمنة؛ هذا ما كان عليه الحال عندما احتكر الأسد المركز، وهذا هو الحال أيضاً مع الذين ينظرون إلى التغيير في سوريا على أنه تغيير في مَن يستحوذ على المركز، لا في فكرة المركز من أساسها.

 

هناك مسؤولية في المقام الأول على الجهة الممسكة بالمركز، وتريد إخضاع البلد لهيمنتها، وهي حالياً السلطة التي تسلمته بعد الثامن من كانون الأول/ ديسمبر، وتقدّم نفسها على نحوٍ مباشر أو غير مباشر بصفتها ممثّلةً للعرب السنّة بوصفهم الأكثرية العددية. يلقى توجّه السلطة دعماً من بعض الشرائح على أساس ضحل، مفاده استنكار دعوات اللامركزية عندما عاد الحكم إلى الأكثرية السنية، وهو ما يُستنتج منه أن اللامركزية مؤامرة على السنّة. هذا المنطق الشكلاني يحجب عدم امتلاك السوريين جميعاً خلال العقود السابقة الحق في تقرير النظام السياسي الذي يريدونه، ويتجاهل أيضاً حق السنّة أنفسهم في نظام تشاركي لامركزي. 

من جهتها، لا تقصّر الدعوات إلى اللامركزية في إقامة فصل ثقافي بين أصحابها والأكثرية السنية، في أحسن الأحوال بفهم شعبية السلطة الحالية بوصفها خياراً ثقافياً، وفي أسوئها عبر الأقوال الصريحة التي تنصّ على استحالة العيش مع السنّة، كأن الأخيرين كتلة منسجمة ذات خصائص ثابتة لا تحول ولا تزول. ومع أن هذه الدعوات تُطرح غالباً بوصفها خياراً أرحم من الانفصال، إلا أن ما تنطوي عليه من فصل ثقافي يشير عملياً إلى انفصال أبعد من فكرة اللامركزية، فضلاً عن أن الطرح نفسه يستبعد تلقائياً النقاش في اللامركزية بوصفها حاجةً للأكثرية، وفي المحصلة بوصفها حاجةً وطنية لعموم السوريين.

 

واقعياً، حاجة حلب (مثلاً) إلى اللامركزية ليست أقل من حاجة السويداء أو القامشلي أو اللاذقية؛ بل إن ثقل المحافظة الاقتصادي والسكاني يجعل من اللامركزية أشد إلحاحاً، فوق أنه يعفي المركز من عبء الانشغال بما يُستحسن أن يُترك لأهلها. يجدر التنويه بأن الوجه الآخر للمركزية هو تزايد العبء على المركز، وذلك لا يكون مرغوباً فيه عادةً إلا عندما يكون في المقابل سبيلاً لتحقيق المكاسب الاقتصادية والسلطوية في آن معاً.

وبما يخصّ المركز بوصفه "مكاناً"، دمشق في حالتنا، فهو يدفع ثمن المركزية لأن الطامحين يريدونه على نية الاستحواذ والتغيير. أما تمركز الوظائف العامة، وإلى حد كبير النشاط الاقتصادي، فسيدفع بالملايين إلى مدينة غير مهيَّأة لاستقبالهم؛ أي إنها ستدفع ثمن التنمية غير المتوازنة، برغم أنها تحظى ظاهرياً بالمحاباة. في مثال قريب، كنا قد أشرنا في مقال عن مذكرات التفاهم الاقتصادية الأخيرة إلى تركيز الاستثمارات في دمشق، وإذا صحّت الأرقام المعلنة، عن أكثر من مليون فرصة عمل، فذلك سيعني تدفق العمال مع أسرهم، بسبب مشاريع ليس لها أصلاً طابع استثماري مستدام، وهو ما سيولد مشاكل مستقبلية جمّة.

 

قد تكون الإشارة واجبة إلى الربط الشائع بين المركزية والدولة القوية، بخلاف ما تثبته تجارب عالمية كبرى لبلدان لامركزية وقوية بكافة المعايير. وفي الحالة السورية، وهي حالة تأسيسية بحكم الأمر الواقع، يصعب تخيُّل إعادة بناء دولة من دون عملية تشاركية على نطاق واسع، إلا إذا كانت على غرار دولة الأسد التي كان شكل انهيارها أفضل برهان على الأفق المسدود الذي وصلت إليه.

ينبغي للأكثرية العددية ألا تهاب اللامركزية، لأنها ستحكم نفسها بنفسها بواسطتها أيضاً، وهي الأقدر على مواجهة لامركزية الطوائف بلامركزية ذات أفق وطني جامع. السير في هذا السبيل ليس شأناً سورياً بالمعنى الضيق، لأنه في النهاية هو المسار المرشَّح ليكون الأنسب للإقليم ككل، ولأن تقدُّم اللامركزية في بلدان الإقليم سيكون خطوة في اتجاه انفتاحها وتكاملها. تستعيد سوريا مكانتها الإقليمية إذا قدّمت النموذج؛ هذا يتطلب مكابدةً شاقة على صعيد الفكر والواقع، إلا أن الخيارات الأخرى لم تثبت حتى الآن صلاحيتها، ولم تثبت أنها أقل مشقّة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث