الأربعاء 2023/06/07

آخر تحديث: 05:41 (بيروت)

جندي الحدود المجهول

الأربعاء 2023/06/07
جندي الحدود المجهول
محمد صلاح واحد من العساكر المحرومين من "شرف" العسكرية
increase حجم الخط decrease
في الساعات الأولى، بعد إعلان الجانب الإسرائيلي عملية معبر العوجة الحدودي مع مصر، اكتفت "بي بي سي" ومعها بعض وكالات الإعلام العالمية بالإشارة في عناونيها إلى وقوع ثلاثة قتلى من الجنود الإسرائيليين، أما منفذ العملية فلا يأتي ذكره ولا ذكر مقتله سوى في الثلث الثاني من نَص الخبر. بالصيغة نفسها، نقل العديد من وسائل الإعلام العربية الخبر، بعنوان يغيب منفذ العملية ويحجب موته.

بحسب البيانات الرسمية الإسرائيلية والتغطيات الإعلامية الإسرائيلية المتلاحقة، "المخرب" كانت الصفة الأولى التي ألصقت به، تلك الكلمة البديلة عن وصمة الإرهابي والمساوية لها في الأعراف اللغوية للبيانات العبرية. "المتسلل" و"جندي الحدود" و"الشرطي" كانت تلك سلسلة من الصِّيَغ لتعريفه، تتابع ظهورها في وسائل الإعلام الإسرائيلي، وتراوحت في منطقها بين تعيينه ضمن شبكة علاقات، أي موضعته في جغرافيا الحدود، ونسبه إلى جهاز الشرطة وتقرير جنديته، أو مجرد اختزاله في فعلة اختراق الحدود خِفية. في مقاربتها للحقيقة وتباعدها منها، لا تكتفي الكلمات بوصف الواقع، بل تقوم بإنتاجه بأثر رجعي.

لم يجد المصريون أمامهم سوى الاعتماد على المصادر الإسرائيلية لمتابعة القصة، فالبيان الرسمي الوحيد من الجانب المصري جاء متأخراً ساعات طويلة، أما سرديته المهترئة عن مطاردة مهربي مخدرات عبر الحدود وتبعها إطلاق نار، فلم يأخذها كثر على محمل الجد. وفيما عُرفت سريعاً أسماء القتلى الإسرائيليين ورتبهم ووحداتهم، وتداولت المنصات الإخبارية صورهم، بقي"جندي الحدود" المصري بلا اسم في بيان الجيش المصري، وبلا صورة ولا ملامح أو رتبة، مجرد شبح. "فرد الأمن" أو "فرد التأمين" هو ما اختزله فيه البيان المصري، من دون صفة "الجندي" أو رتبة "العسكري".

بحسب اتفاقية كامب ديفيد، تتولى قوات الشرطة المصرية، لا الجيش، تأمين الحدود مع إسرائيل. ومع أن جهاز الشرطة يُعدّ هيئة مدنية نظامية بنص القانون المصري، فإن تعديلات ملتوية، سمحت بتحويل قسم من الفائض البشري عن التجنيد العسكري إلى وزارة الداخلية، وبالأخص إلى قوات الأمن المركزي. هؤلاء يتم غَرفُهم من قاع خزان الاحتياط، من بين الأُمّيين أو من لم يكملوا تعليمهم، لتُسرق ثلاثة أعوام من أعمارهم في أوضاع تشبه السخرة، أو هي بالفعل سخرة كاملة. و"جندي الحدود" واحد من هؤلاء الجنود المنزوعة عنهم جُنديتهم، والعساكر المحرومين من "شرف" العسكرية وحتى من أوهامها.

مرة أخرى، كان على الجميع انتظار المصادر الإسرائيلية لإعلان هوية الجندي المصري، محمد صلاح، وصورته، ورتبته، والمصحف الذي كان يحمله، وتفاصيل أخرى عن العملية وطريقة تنفيذها، وما لحقها من زيارة القيادات العسكرية المصرية لموقع العملية وتقديمهم الاعتذار للجانب الإسرائيلي، ووصمهم للجندي القتيل بأنه "من قاع المجتمع"، والتحقيقات المشتركة، وتسليم الجثمان للجانب المصري، والتأكيد على التعاون لعدم تكرار الحادث. بلا شك، تعرض النظام المصري لإحراج شديد، لكن المصادر الإسرائيلية تؤكد أن عملية الحدود لن تؤثر في "خمسة عقود هادئة" على الجبهة المصرية، ولا في "ذروة شهر العسل" المصري الإسرائيلي.

كما في حياته، يُطمس الجندي محمد صلاح في مماته، تقتاد أجهزة الأمن أقاربه إلى مكان مجهول لبضع ساعات، وبعدها يتم تداول أخبار غير مؤكدة عن دفنه في قريته بحضور عدد قليل من أفراد أسرته من الذكور، وحرمان حتى والدته من إلقاء النظرة الأخيرة عليه. ما يمكن استنطاقه بشأن سيرته، ينحصر في مشاركات قليلة عبر صفحته في "فايسبوك"، لا تقول الكثير، وقصص لا يمكن التيقن منها عن غضبه بشأن مقتل زميل له على الحدود، وفعل التمرد الأخير الذي اقترفه، والذي بفضله غدا له أخيراً اسم وصورة يعرفها الناس، ذلك الحق في الاعتراف الذي لا يناله من هو مثله، للأسف، سوى بالموت. 

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها