image
الإثنين 2023/01/23

آخر تحديث: 08:46 (بيروت)

محمد الدايخ وحسين قاووق ليسا مؤامرة ضد الشيعة

الإثنين 2023/01/23 جهاد بزي
محمد الدايخ وحسين قاووق ليسا مؤامرة ضد الشيعة
فريق عمل برنامج تعا قلو بيزعل
increase حجم الخط decrease
تقوم الكوميديا التي يقدمها أميركيون يتحدرون من جاليات مهاجرة على مفارقتين أساسيتين: اللكنة الثقيلة للأباء والأمهات، والعادات والتقاليد المحمولة معهم من بلادهم إلى البلاد الجديدة. هكذا يفعل الإيطاليون والعرب والهنود والكوريون واللاتينييون وغيرهم ممن ليست الإنكليزية لسانهم الأول. يلعبون على تضخيم الصور النمطية الموسومة بها مجتمعاتهم ليضحكوا هذه المجتمعات المهاجرة نفسها، حين ترى صور عائلاتها في المرايا. الأب العربي الغاضب دوماً. الأم الإيطالية الغارقة في صلصة المعكرونة وكرات اللحم. العائلات المصرية التي تبحث عن زواج صالونات لأبناء وبنات يعيشون في كوكب آخر عن ذاك الذي عاش فيه أهلهم. هل كل هذه المجتمعات كذلك؟ هذا سؤال أغبى من أن يُجاب عليه.

اللعب على التنميط هو مادة هؤلاء الكوميديين الأولى والأخيرة. هؤلاء ليسوا ضالعين في مؤامرات مملة لتحطيم المجتمعات التي ينتمون إليها. نمر أبو نصار لا يمرغ وجه "الأب اللبناني" بالوحل حين يضحك جمهوره على والده الذي في طفولته كان يطلب منه أن يذهب بنفسه لجلب حزام بعينه ليضربه به. هذه كوميديا بحتة، لكنها مستمدة من حقيقة. ليست حكراً على الأميركيين باختلاف أنواعهم. ثمة جيل بكامله من الشابات والشبان اللبنانيين ممن يبنون عروضهم الكوميدية على مفارقات تتعلق بمجتمعاتهم الصغيرة، التي هي في حالتنا، تكتلات طائفية. وقد تحظوا عقدة الخجل من هذا الصفاء الطائفي في نشأتهم، لأنه واقع، وهم يضحكون من واقعهم.

محمد الدايخ وحسين قاووق هما من هذا الجيل الجريء بالتحديد، الذي لم نره أبداً في الإعلام اللبناني والذي أخرجته إلينا السوشال ميديا. الدايخ وقاووق ينتميان إلى كوميديا مختلفة انقطعت عند التجربة العظيمة جداً التي صنعها زياد الرحباني ولم يفلح أحد بعده في مجاراتها أو تطويرها من حيث توقفت. كوميديا واقعية لا تقدم أشخاصاً خياليين، من أم طعّام إلى أبو رياض. لديها خطابها السياسي الاجتماعي النقدي للسائد والمتوارث. كوميديا زياد الرحباني السوداء كانت عنيفة في جرأتها ضد السائد ليس قياساً على الثمانينيات فحسب بل (للأسف ربما) قياساً على الآن، حيث الطوائف لا تحب المزاح، خاصة إذا كان ذكياً، لا فرق إذا أتى على شكل بوست على فيسبوك حول مار شربل، أو على شكل ممثلة تحكي اللغة الدرزية، أو مدرس غريب الأطوار يعلم تلاميذه غريبي الأطوار مثله، "اللغة الشيعية".

الغاضبون على اسكتش "اللغة الشيعية" خرجوا بالآلاف على وسائل التواصل. منهم من صب اهتمامه على تعريفنا مجدداً بالسيرة الحسينية، مستفظعاً مرور اسم الإمام في برنامج كوميدي سفيه، مع أنه يستخدم الاسم محط كلام، ومع أن اسم العذراء المقدس بدوره مر قبل ثوان من الحسين. لا أحد يعلم أين الغريب في مرور أسماء مقدسة في برنامج كوميدي بينما هذه تتطاير ليل نهار في شوارع لبنان وبيوته، بسبب وبدونه، وفي حوارات العاديين التي لا تدور في العادة حول نظرية التطور بل حول أي مطعم شاورما أطيب من الآخر. القسم الآخر راح أمطر المنصات بفيديوهات لجنود الله في جبهات القتال في الجنوب وسوريا، مع أناشيدها المعتمدة، ليخبرنا أن هذه هي اللغة الشيعية حصراً. الشيعة في لبنان، بحسبه، يفيقون من النوم ويذهبون إلى الجبهات وهم يغنون الأناشيد الحماسية. الفئة الثالثة، هذه التي يطل أصحابها من شاشات هواتفهم بعيون ذابلة ولحى منمقة وابتسامات واثقة لكن متوعدة، وبحس فكاهة لا يطاق، قررت أن الكلمات التي كان يقولها الدايخ تقتصر على فئة محددة من الشيعة، عاطلة عن العمل، وتتعاطى المخدرات. قرروا أن يكشفوا الحقيقة الصعبة وهي أن هذه اللهجة ليست لهجة كل شيعة لبنان. ماذا؟! يا لها من مفاجأة لطوني ما، لم يسمع من قبل بالسيد وبالأستاذ وباللواء جميل السيد.
هذا غضب غير مبرر. ما المشكلة حقاً في ما يصر على فعله هذا الثنائي الشيعي الصاعد؟ لا مبرر للغاضبين إلا في كون هذين الشابين ينشران غسيل الطائفة الوسخ على حبال المحطة المسيحية (من النُبل هنا غض النظر عن التقارب بين هذا التشبيه ومقدمات الأخبار اللبنانية).
بحسب الغاضبين، إذا كان هناك شبان شيعة يلطخون لغة الطائفة بلهجتهم الزقاقية، فيجب أن نخبئهم، وأن لا نختصر الطائفة بهم إن في السوشال ميديا، أو في ما هو أسوأ، أي قناة أدما المسيحية. من الذي ينمط هنا؟ محمد الدايخ وحسين قاووق أم الغاضب الذي يريد أن تكون الطائفة كلها ثلة ممن باعوا جماجمهم لله، والحارة صغيرة، والناس تعرف بعضها، وتعلم أن الطائفة الكبيرة ليست مهتمة حصراً بملفي تحرير القدس وظهور المهدي المنتظر، وأن هناك تفاصيل يومية أخرى تشغل بالها؟ من الذي لديه شعور عميق بالنقص إذ يحاول تخبئة شبان يعيشون معه لأنهم لا يحكون مثلما يحكي هو مقلداً زعيمه؟
ثم، لماذا كل هذا العبوس في مواجهة الكوميديا. هذه المبالغة الشديدة في الغضب والتوعد وتهديد شابين أعزلين تحيل إلى عكسها، تحيل إلى مهزلة تصيب صاحبها حتى تكاد تقول لغاضب السوشال ميديا المفترض "روق.. خدنا بحلمك يا كبير"، لأنه هو نفسه أبرع من يستخدم هذه التعابير التي تصيبه بقشعريرة ثقافية ودينية وأخلاقية وهو يراها تصله من شاشة "مسيحية" عبر شابين شيعيين يصران أن الضاحية ليست له وحده.
محمد الدايخ وحسين قاووق شابان جريئان، لكنهما قبل ذلك شغوفان بتقديم كوميديا لبنانية مختلفة عن السائد المنافق المهذب طائفياً ولفظياً واجتماعياً وسياسياً. هذا ما فعله زياد الرحباني في زمانه. وهذا ما يحاولان فعله. لماذا لم يقتربا من الدروز والسنة والموارنة مباشرة كما يفعلان مع الشيعة؟ لا معلومات في هذه السطور، وام يعرض من البرنامج غير حلقة واحدة حتى الآن، ولا أحد يدري بعد القنبلة التي رميت السبت في مبنى القناة إذا كان العرض سيستمر. لكنهما، في أية حال، ينقلان صور المجتمع الذي ولدا وكبرا فيه، وراقباه وتعلماه وأحباه وكرهاه. لا أحد يجبرهما على هذا المضمون. لا فيزياء هنا. لن يجيدا تقديم شبان عين الرمانة كما تقديم (بعض) شبان حي ماضي. أليس هذا مشروع يحيى جابر المستمر بنجاح كبير؟ أنجو ريحان جنوبية وزياد عيتاني بيروتي وعباس جعفر بعلبكي؟ الدايخ وقاووق يلعبان حيث يجيدان اللعب. وقعا، فنياً في التكرار؟ هذا نقاش آخر لا يحاسبان عليه الآن في خضم الهيجان الجماعي حول الألفاظ وذكر أسماء مقدسة. ينمطان الطائفة، ويختزلانها ظلماً بلغة ما، أو بعينة من شبانها، يغرقان في مؤامرة تحاك في أروقة وكالة الاستخبارات الأميركية وسفارتها اللعينة في عوكر؟ يقبضان من فيلتمان؟ هذه مبالغات مضحكة أكثر من "اللغة الشيعية".

الدايخ وقاووق، لمن يتهور في حماسته من محبي البيئة والمنتمين لها، ليسا مؤامرة صهيونية. هما فنانان شابان مهووسان بما يفعلان. جرأتهما ضرورية وإلا لا معنى لهما. هما، أسوة بصناع الكوميديا الحقيقيين، يجرّبان شد خيط الصوابية السياسية، (الصوابية الطائفية في الحالة اللبنانية إذا كان لهذا المصطلح من معنى) إلى أقصاه. ما زال ما يقولانه أقل بكثير مما يقال في الشارع اللبناني عامة، وبين الشيعة خاصة. ومن النفاق الشديد أن يمر من فوقنا كل ما نسمعه يومياً في الشارع، ثم حين نراه على التلفزيون، نُذهل ونغضب ويهتز عرش أخلاقنا وقيمنا ونهرع إلى تاريخنا العسكري الحديث والثوري التاريخي للدفاع عن صورتنا. هذان أصلاً من المفترض أن يكونا أعلى كعباً من استدراجهما للهجوم على اسكتش كوميدي تافه على قناة مسيحية عميلة. هذا الانفعال الزائد عن حده في كل مرة يعرض محمد الدايخ وحسين قاووق فيديو مصور بالهاتف، هذا الانفعال ينم عن قلة ثقة بالنفس تكاد تكون أكثر إحراجاً للبيئة من الكشف الخطير الذي يجب أن يُشاهد قبل الحذف عن أن بعض شبانها يقولون "معلمي" أو يحلفون بالحسين.
شدّوا حيلكم قليلاً. هذه كوميديا.

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها