image
الخميس 2022/09/22

آخر تحديث: 12:46 (بيروت)

إيران ترفع الحجاب..ولا تحرقه

الخميس 2022/09/22 ساطع نور الدين
إيران ترفع الحجاب..ولا تحرقه
increase حجم الخط decrease

حجاب المرأة ليس من الدين. هو من السياسة. وهو في إيران بالذات، من دون بقية الدول الاسلامية (عدا افغانستان)، جزء من الهوية. الدولة الايرانية، والافغانية طبعا، تمنع رسمياً سفور المرأة، وتستخدم جهازاً أمنياً نافذاً لمكافحته، وتوسع دوره وصلاحياته، أو تقلصها الى الحدود الدنيا، حسب المقتضى السياسي فقط لا غير.

لا يمكن تصنيف ما يجري في إيران اليوم، بأنه ثورة شعبية على الحجاب الالزامي، الادق حتى الآن على الاقل القول أنها انتفاضة حريات شخصية وإجتماعية، من دون أي تخطيط مسبق، ضد ذلك الجهاز الذي أساء مجدداً تقدير الظرف السياسي، ومارس مهمته القمعية على الحلقة الاضعف من المجتمع، كما لو أن الدولة الايرانية ليست في حالة حصار خانق، وتفاوض حرج، ومستقبل غامض.

خضوع المرشد علي خامنئي لعملية جراحية حرجة، نجحت في نهاية المطاف، لم يقدم دليلاً كافياً، على ضعف السلطة المركزية وترهل مؤسساتها. ولعل العكس هو الصحيح، بمعنى أن هذه السلطة تفادت، حتى الآن طبعاً، اللجوء الى اساليبها وتقاليدها الدموية في مواجهة أي احتجاجات شعبية، كما جرى في انتفاضات عديدة سابقة. وارقام القتلى والجرحى الذين سقطوا في اعقاب وفاة الشابة مهسا أميني، شاهدة..  بل هي حرصت على الانكار ثم الاعتذار والتعهد بعدم التكرار، وسمحت بارتفاع أصوات مسؤولين ونواب وسياسيين تطالب بالغاء جهاز الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، "شرطة الاخلاق" السيئة السمعة.

قد يتغير هذا السلوك رأساً على عقب، خلال الساعات او الايام المقبلة، اذا ما شعرت السلطة أنها في خطر وهي تفقد السيطرة على الشارع، أكثر مما فقدتها حتى الآن، من دون الأخذ بالاعتبار ما يمكن أن يسيء الى صورتها في الخارج، التي جرحتها محاولة اغتيال الكاتب سلمان رشدي كثيراً، لكنها، وللمفارقة الغربية، لم تثر جدلاً داخل ايران، لا سيما وأنها كانت مبنية على تلك الوصية الثقيلة من إرث مفجّر الثورة الايرانية آية الله الخميني.

انتفاضة نساء ايران على الجهاز الديني الاسوأ، مؤشر مهم على أن المحتوى الاسلامي للدولة لم يعد صلباً بالقدر المفترض، ليس فقط لدى المرأة الايرانية، بل لدى الجيل الشاب عموماً. وهذا ليس اكتشافاً حديثاً. فهذا المنتج الايراني راسخ ومتين في لبنان والعراق واليمن، أكثر بكثير مما هو سائد في إيران نفسها. سوريا حالة خاصة، حيث الحضور الايراني ليس له سند شعبي في أوساط الموالين للنظام، وإن كان يساهم في انتاج اقصى درجات التطرف الديني والسياسي في أوساط معارضيه.

أيضاً، ما زال من الصعب أيضا التحقق مما اذا كانت استعصاء المفاوضات حول الملف النووي الايراني، شجّع الجيل الجديد من الايرانيات والايرانيين على الخروج الى الشوارع، في حالة دفاع مشروع عن النفس، لم ترفع مطلباً سياسياً واحداً، عدا الموت للدكتاتور..كما لا يمكن التثبت من أن وجود الرئيس الايراني ابراهيم رئيسي في نيويورك، ساهم في التركيز على احتواء الاضطراب الشعبي، بدلا من إنهائه بشكل دموي على ما جرت العادة.

ثمة ما يؤكد، ما هو مؤكد، عن أن خامنئي الذي لطالما تردد وأحجم في مناسبات عديدة سابقة، عن الصلح مع الاميركيين، مخافة ان يخسر النظام ويقدم إيران لاميركا وللغرب على طبق من فضة، يأخذ في الحسبان اليوم أن معايير صياغة الاتفاق النووي الجديد، التي لم توقف إيران حتى اليوم التفاوض حولها، تخضع لتقديرات وتحليلات عميقة ليس فقط لمزاج الشارع الايراني، بل أيضاً لمقارنته بين النص المطروح حالياً وبين النص الذي جرى التوقيع عليه في العام 2015، وأعتُبر انتصاراً دبلوماسياً لإيران في حينه، قبل ان ينقضه الاميركيون..

 كانت المفاوضات، التي لم تنته بعد، وستظل المقياس الأهم لقوة النظام، الذي يبدو أنه ما زال يميل الى احتواء انتفاضة فتياته وفتيانه، حتى ولو تطلب الأمر رفع الحجاب عن رؤوسهن، ولو جزئياً..بدلاً من رؤيته يحترق كلياً.       

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها