image
الأربعاء 2022/09/21

آخر تحديث: 10:46 (بيروت)

شريف الروبي والحوار الوطني

الأربعاء 2022/09/21 شادي لويس
شريف الروبي والحوار الوطني
أطلق سراح شريف الروبي، ثم أعيد اعتقاله عشية "الحوار الوطني"
increase حجم الخط decrease
قبل ثلاثة أشهر ونيف، نال الناشط السياسي والقيادي في حركة 6 أبريل، شريف الروبي، حريته. وجاء إطلاق سراحه، مثل غيره ممن قضوا سنوات من أعمارهم في الحبس الاحتياطي، في إطار وعود النظام المصري بحلحلة ملف السجناء السياسيين، وذلك تمهيداً لانطلاق جلسات الحوار الوطني. الاتفاق على آليات الحوار، مع تشكيل لجانه واختيار مقرريها ومساعيهم، تقدم ببطء خلال الشهور الخمسة الماضية، لكن التجهيزات تبدو مكتملة الآن، ولا يبقى سوى إشارة البدء للحوار المزمع إذاعته أمام الجمهور، وهي الإشارة التي يملك النظام وحده تحديدها، بينما محاوريه بلا خيارات سوى الانتظار.

التكهنات والتصريحات نصف الرسمية، تشير إلى منتصف الشهر المقبل، لكن الأمر يظل بلا تأكيد. حالة اللايقين تلك، هي جزء من آليات إدارة السلطة لعلاقتها بمعارضيها، وتحويل عملية مثل الحوار، تتطلب حداً أدنى من الندّية الصّورية، إلى مجرد علاقة استدعاء، استدعاء مفتوح بلا محددات زمنية. حتى أعضاء لجان الحوار، المحسوبين على النظام، يتحركون في تلك المساحة الضبابية.

أما عن مطالب المعارضة بخصوص السجناء السياسيين، فالسلطة تتلاعب بالملف بالتكتيكات نفسها، عمليات العفو والإفراج تظل محدودة، وتضم، كل مرة، عشرات الأسماء في أقصى تقدير. وتتم الإفراجات على فترات، بلا وتيرة مفهومة أو مواعيد معلنة. وحين يتعلق الأمر بآلية اختيار المُفرَج عنهم، وتحديد موعد خروجهم، فتظهر عشوائية تماماً، وعلى الأغلب بشكل متعمّد. أما مَن يُفرج عنه، فيظل مكبلاً بالوصمة الأمنية، فيتعذر حصوله على عمل، وفي أحيان كثيرة يجد السجين السابق نفسه ممنوعاً من السفر.

كتب شريف الروبي عن تلك المعاناة في تغريدة في "تويتر". يقول إن لا السجن ولا فتراته كسرته، لكن ما يحدث خارجه هو ما كسره. لاحقاً، ستستضيفه قناة "الجزيرة" ليتكلم بتفصيل أكثر عن منعه من السفر وصعوبة الحصول على عمل بسبب سجلّه الأمني. تمحو السلطة بشكل شبه ممنهج، الحدود بين السجن وخارجه، بتمديد صحراء المعاناة على رقعة واسعة تطاول الخارِجين بمشقة أثقل. فالسجن في المحصلة الأخيرة، مؤقت، وحتى لو بدا بلا نهاية بفعل تجديد النيابات المرة تلو الأخرى، يظل هناك رجاء في وضع حد له. لكن ماذا عن المعاناة في الخارج؟ ومتى تُرتجي نهايتها؟ بتلك الممارسات، يوسع النظام مفهوم العقوبة، على مستوى المكان، بتداخل حدود الخارج والداخل، وعلى مستوى الزمن أيضاً. فإن كانت وضعية السجن معممة خارج الأسوار، فلا جدوى من حسابات الوقت.

سرعان ما يلقى القبض على الروبي، بسبب شكواه، ويحول إلى النيابة بالاتهامات المعتادة. ليست هذه هي المرة الأولى التي تعيد فيها الأجهزة الأمنية القبض على أحد المُفرج عنهم، لكنها كانت الواقعة الأقرب إلى الموعد المتوقع للحوار الوطني. ولذا ثارت الاعتراضات من داخل معسكر المعارضة ورموزها المشاركين في لجانه، على اعتبار أن إعادة حبس الروبي تلقي بالشكوك حول صدق نوايا النظام وجدوى الجلوس مع ممثليه على طاولة واحدة. إلا أن هذا كله ليس على الضد من الحوار، بل إنه متوافق تماماً مع منطِقه.

في مواجهة معارضة لا تملك ما تقايضه أو ما تضغط به، يقدم النظام نفسه على أنه الطرف الوحيد القادر على وضع القواعد، وتغييرها متى يشاء. أي أنه يقدم نفسه بوصفه الطرف الوحيد في المُطلق. وكما أن قرارات الإفراج تخضع لآلية غامضة، فإن عمليات إعادة الاعتقال تخضع لآليات لا تقل تعتيماً، فالروبي لم يكن الوحيد ولا أول من اشتكى من ظروف ما بعد السجن.

مرة أخرى، عامل اللايقين هو إحدى أقسى الأدوات التي يوظفها النظام في قمع معارضته. الحوار نفسه غارق في حالة من الضبابية. فهؤلاء الذين يتجهزون لجلساته من صفوف المعارضة، بدلاً من وضوح حالة العداوة الصريحة مع النظام، اليوم يبدون غير موقنين إن كانوا حقاً في حوار مع السلطة أم أنها ما زالت تخاصمهم، أو لعلها تفعل الأمرَين معاً.
increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها