الأربعاء 2022/06/22

آخر تحديث: 07:54 (بيروت)

النهاية المؤقتة لمهرجان الجونة

الأربعاء 2022/06/22 شادي لويس
النهاية المؤقتة لمهرجان الجونة
هل أصبح المهرجان كـ"مسابقة تعرٍّ" ومصدر أزمات مع السلطة.. عبئاً على آل ساويرس؟
increase حجم الخط decrease

بعد خمس دورات وضعت مهرجان الجونة على قمة الفعاليات السينمائية في المنطقة، أصاب الإعلان عن تأجيله الكثيرين بخيبة الأمل. بلا شك، كان الجونة فرصة سنوية لحضور عالمي وإقليمي كبير، وساحة لعقد الشراكات الفنية والإنتاجية، وكذا أتاحت طبيعة التمويل الخاص لإدارته، مساحة من مراوغة قيود البيروقراطية الرسمية والتجرؤ على عرض أعمال لم يكن لها أن تعرض خارجه، بل وحتى الاحتفاء بها وتكريمها. حتى التغطية الإعلامية ذات الصبغة الفضائحية لعروض السجادة الحمراء وأزيائها متدنية الذوق في أحيان كثيرة، فلم تخلُ من منافع، سواء من ناحية ترويجية، أو كونها بيان تحدٍّ عملي للتضييقات المحافظة لأيديولوجيا الفن النظيف على العاملين فيه، أو على الأقل قيامها بإضفاء ألقٍ نجوميٍ على الصناعة السينمائية كان قد فقد لمعانه منذ زمن ليس بالقصير.

جاء القرار مفاجئاً من حيث التوقيت، وإن كان تأجيل المهرجان متوقعاً بالعموم. فسلسلة من الأزمات الداخلية كان يمكن تلمسها من الاستقالات المتتابعة من إدارة المهرجان، وكانت كافية لإطلاق التكهنات بشأن استمراريته. وكانت المعضلة الأكبر متعلقة بالسمعة السيئة التي لحقت به كمسابقة للتعري والتي ترافقت مع أزمات مع السلطة ومزايدات متفرقة من داخل الوسط الفني بشعارات الوطنية والأخلاق، فبدا هذا كله عبئاً معنوياً سياسياً غير مُجدٍ على آل ساويرس، ممولي المهرجان. ولم يكن واضحاً إلى أي حد يمكن للعائلة الرأسمالية الأغنى في مصر أن تتحمل كل هذه الضوضاء.

والحال إن المفاجأة نفسها لم تكن العامل اللافت للانتباه، بل غموض البيان المقتضب الذي أصدرته إدارة المهرجان. فمبررات التأجيل إلى أمدٍ غير محدد، نُسبت إلى "التحديات العالمية الحالية" من دون تفسير لذلك التعبير الفضفاض. وبلا شك، لا يدين ممولو الجونة، بوصفه نشاطاً رأسمالياً خاصاً شبه عائلي، بتقديم التفسيرات، لا أمام صنّاع السينما ولا أمام الجمهور العام.

وكما كانت دورات المهرجان مثاراً للجدل، عاماً بعد آخر، فإن قرار إغلاقه لم يعجز عن تقليب بعض المشاحنات القديمة التي تعاود الظهور بشكل موسمي. فالشماتة جاءت من نواحٍ عديدة، من جهة الناقمين على "العري" لأسباب أخلاقية، وبالقدر نفسه من أقصى الجهة الأخرى على المقياس الأيديولوجي، أي رافضي سيطرة رأسمال على الفنون لصالح ثقافة أكثر جماهيرية بالمعنى اليساري للتعبير. أما المحبطون من النهاية غير السعيدة للجونة، فلم يجدوا وسيلة لتفريغ ضيقهم سوى بالهجوم على الشامتين، فببساطة لا يمكن مساءلة آل ساويرس بشأن قرارهم أو مراجعتهم فيه.

يقدم مهرجان الجونة، بملابسات إغلاقه المؤقت أو ربما الدائم، نموذجاً لآليات سوق الثقافة الحالي، فالتراجع المديد لدور الدولة في تمويل الفنون وترويجها جماهيرياً بدوافع من عجز الميزانية العامة وتبدل أولويات السلطة، حدث بالتوازي مع تسيد الخطابات النيوليبرالية حول حتمية تخارج المؤسسات العامة من كل صور الإنتاج والاستثمار لصالح تمجيد القطاع الخاص والمبادرات الفردية والقدرة على جذب التمويل الأجنبي.

مثل نموذج مصغر للاقتصاد المصري بالعموم، يجد الاقتصاد الثقافي نفسه -تحت اشتراطات تضاؤل الدعم الحكومي وافتقاد سوق عميق- مرتهناً لدوائر محدودة لتركز رأس المال والقرارات شبه الشخصية لعدد محدود جداً من اللاعبين في وضع شبه احتكاري، أو مضطراً للانضواء تحت مظلة واحدة من العواصم الخليجية الصاعدة كمراكز ثقافية بعد تمكنها من الصعود كمراكز مالية وسياسية مهيمنة إقليمياً. ولا يعني هذا فقط وضع الثقافة في محل تبعية غير مشروطة لرأسمال أو إرادات سياسية خارجية لا يمكن مساءلتها أو مراجعتها أو حتى الدخول في حوار معها، بل يفيد أيضاً بتعرض النشاط الثقافي لمخاطرات الأموال الساخنة، مثلها مثل السوق الأوسع، أي مع أقل هزة في الأسواق أو في تغير أمزجة المضاربة، تنهار مؤسسات بكاملها أو تختفي كلياً بلا أثر.

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها