آخر تحديث:06:25(بيروت)
السبت 14/05/2022
share

بوتين لحرب عالمية ثالثة لا نووية

بسام مقداد | السبت 14/05/2022
شارك المقال :

أعلن رئيس مجلس النواب الروسي (الدوما) فيتشسلاف فولودين منذ أيام، أن عدد العقوبات الغربية المفروضة على روسيا منذ العام 2014 بلغ 10128، وهو رقم قياسي لم يبلغه ضد أية دولة أخرى، على قوله. ونقل عن الرئيس الأميركي قوله بأن بديل العقوبات هو الحرب العالمية الثالثة. وأختتم إعلانه هذا بالقول: "كل ما لا يقتلنا يجعلنا أكثر قوة"، حسب صحيفة الفاشيين الروس Zavtra. 

لكن العقوبات ليست بديل الحرب الثالثة، بل هي الشكل الذي اختارته الولايات المتحدة والغرب لخوضها، حتى الان على الأقل، وترفقه بمد أوكرانيا بالسلاح والمال الضروريين لتعزيز الصمود بوجه الغزو الروسي. وإضافة إلى الدفعات المالية السخية التي تخصصها لأوكرانيا، تعد الولايات المتحدة بتخصيص الأرصدة الروسية الهائلة المجمدة في الغرب لإعادة إعمار المدن والبنية التحتية التي تدمرها روسيا في أوكرانيا.  

يدرك الغرب أن حرب روسيا في أوكرانيا ليست سوى بداية معركتها الأساسية ضده، والتي بدأت تباشيرها الواضحة بمطالبة روسيا آخر السنة المنصرمة بضمانات موثقة لأمنها والتعهد بعدم تمدد الناتو إلى الشرق. وإمعاناً في رفضه تقديم مثل هذه الضمانات، حرك الغرب أمس قضية إنضمام فنلندا والسويد إلى الناتو، وهو ما أثار على الفور غضب روسيا وتهديدها، خاصة فنلندا، باتخاذ تدابير "ذات طبيعة عسكرية تقنية" ضدها. وفنلندا، في علاقاتها التاريخية بروسيا، تكاد تكون نسخة طبق الأصل عن علاقات أوكرانيا بها. فهي ، وكما أوكرانيا، تبلور كيانها المستقل بعد ثورة شباط الروسية العام 1917، ولم يتمكن البلاشفة لاحقاً من القضاء عليه، كما فعلوا حيال كيان الدولة الأوكرانية الوليدة. وتعين على فنلندا خوض حروب شبه مستمرة مع البلاشفة للحفاظ على كيانها المستقل، كان آخرها حرب 1939 ـــــ 1940 التي تكبد فيها ستالين أكثر من 40 ألف قتيل، وهي التي كان يعتقدها نزهة قصيرة إصطدمت بمقاومة مذهلة من الفنلنديين، تماماً كما يجرى الآن مع بوتين.

إبتزاز بوتين بحرب عالمية ثالثة يستخدم فيها السلاح النووي، تراجع الآن إلى حرب عالمية يعرف الجميع أنها تنحصر مؤقتاً في أوكرانيا. أواخر الشهر المنصرم، وفي "توك شو" فلاديمير سالافيوف المعروف بجلافة تعابيره ووقاحة سلوكه على أثير قناة التلفزة الروسية الرسمية الأولى، قالت رئيسة شبكة تلفزة البروباغندا الروسية  RT مارغريتا سيمونيان بأن روسيا تفضل الموت مع العالم في حرب نووية على الإعتراف بالهزيمة في الحرب على أوكرانيا. لكنها أعلنت بأن معرفتها لبوتين وتصلبه تسمح بالقول أن السيناريو الأكثر واقعية من الحرب النووية هو الحرب العالمية الثالثة. وإختتم سالافيوف كلامها بالقول "على كل نحن في الجنة، وهم فقط يموتون".

الخدمة الروسية في "الحرة" الأميركية جمعت تعليقات لمدونين على كلام سيمونيان في نص بعنوان "...المدونون عن خطر العالمية الثالثة". أول المعلقين قال ساخراً "... خيار صعب جدا، أنا أفضل خسارة روسيا". آخر قال "فليبلغ أحد هؤلاء الشياطين بأن أحداً لن يسمح بدخولهم الجنة. لقد هيأوا الحقائب بانتظار ضربة نووية". ثالث قال "لماذا علّمتم أبناءكم خمس لغات إذا كان مقدراً لهم أن يحترقوا من أجل مجد بوتين؟"...

الخدمة الروسية في شبكة الإذاعة والتلفزة الفنلندية الرسمية نشرت يوم إطلاق بوتين حربه على أوكرانيا مقابلة مع البروفسور في جامعة هلسنكي وجامعة روسية فلاديمير غيلمان بعنوان "روسيا بدأت الحرب العالمية الثالثة ضد الغرب". يرى البروفسور أن الحرب الروسية على أوكرانيا ليست حرباً إقليمية، بل هي حرب ضد العالم الغربي بأسره، وهي تهدد بعواقب وخيمة، ليس على روسيا وأوكرانيا فقط، بل على العالم أجمع. وهدفها الواضح تدمير أوكرانيا كدولة وتحويلها بلداً تابعاً لروسيا. ومعظم بلدان العالم سوف يدعم أوكرانيا، أو سيتظاهر بأنه غير معني بالأمر، لكن من الصعب أن يلقى هذا التفسير أنصاراً  له خارج روسيا التي يدعم معظم سكانها العمليات الحربية ويؤيد بوتين.

ويرى البروفسور أن هذه الحرب يمكن أن تتطور إلى حرب عالمية ثالثة إذا تمكنت روسيا أن تحطم بسرعة مقاومة أوكرانيا. وإذا ما تمكنت روسيا من ذلك سوف تطلق يدها لتكرار السيناريو مع بلدان أخرى. وهذا يتوقف على صلابة المقاومة الأوكرانية، وعلى مدى ترجمة الدعم الذي تلقاه الآن إلى مساعدات في شتى المجالات. 

جورج سوروس نشر بإسمه في 11 آذار/مارس المنصرم على موقع الخدمة الروسية في project-syndicate العائد لمؤسسته نصاً بعنوان "فلاديمير بوتين وخطر الحرب العالمية الثالثة". يرى سوروس أن هجوم بوتين على أوكرانيا هو بداية حرب عالمية ثالثة قد تطيح ب"حضارتنا". ويتهم الرئيس الصيني بإعطاء بوتين كارت بلانش لشن الحرب على أوكرانيا، وذلك خلال إجتماعهما بمناسبة إفتتاح الألعاب الأولمبية الشتوية. بوتين في 70 من العمر الآن، وهو يشعر بأن عليه أن يترك أثراً في التاريخ الروسي، ولذا عليه أن يسارع إلى العمل الآن، وإلا يكون الوقت قد فات. ويؤكد سوروس أن لدى بوتين سردية مشوهة عن دور روسيا في العالم، حيث يعتقد بأن الشعب الروسي بحاجة لقيصر يتبعه بعينين معصوبتين. 

يسرد سوروس كيف أقام مؤسسته في روسيا وباقي الجمهوريات السوفياتية، و"شارك" في سقوط الإتحاد السوفياتي. ويقول بأنه لا يعرف بوتين شخصياً، لكنه يتابع صعوده وهو "بلا رحمة"، حوّل عاصمة الشيشان غروزني إلى ركام ويستعد الآن للعمل عينه في كييف.

موقع Delfi الناطق بالروسية ولغات البلطيق الثلاث نشر مقابلة مع مؤرخ ليتواني بعنوان "هذا يشبه الحرب العالمية الثالثة، لكن بين هتلر وبوتين أوجه الإختلاف أكثر من أوجه الشبه". يرى المؤرخ أن من الصعب الإجابة عن كيفية نجاح بوتين في الكذب على ملايين الروس وتفسير عبادة الفرد (كما ستالين). أوجه الشبه يراها المؤرخ في ظروف بداية الحرب العالمية الثانية وما جرى في أوكرانيا بين العام 2014 والحرب الراهنة. روسيا وألمانيا يجمعهما تشابه في روح الثأر التي سيطرت على ألمانيا بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى وفي روسيا بعد سقوط الإتحاد السوفياتي. في الحالتين خرج زعيم بوسعه توحيد الناس وحشدهم لإستعادة العظمة السابقة، ثم يبدأ نهج التوسع ومحاولة إستعادة أراض ما سابقة. على هذا المستوى ثمة الكثير من أوجه التشابه، والحرب في أوكرانيا التي بدأت في شباط/المنصرم هي، من حيث الجوهر" بداية الحرب العالمية الثالثة. 

ويرى المؤرخ أن بوتين لا يملك الكاريزما التي كانت لهتلر، فهو شخصية باهتة لم يكن ليلاحظه أحد لو لم يعتلي عرش روسيا. أما هتلر فكان بخطبه يلهب حماس الجماهير، وهو ما لا يتصف به بوتين الباهت.  

الرئيس السابق للمجلس اليهودي الروسي والمستشرق إيغور ساتانوفسكي يرى في صحيفة NG في 12 الجاري أن وجود روسيا على خريطة العالم مرتبط بعدم توقف حرب بوتين عند حدود الدونباس، بل بمواصلتها لتخضع أوكرانيا بأكملها. ويعتبر أن روسيا لم يكن بوسعها ألا تبدأ "العملية الخاصة" في أوكرانيا، وذلك لأن البديل كان إنهيار روسيا نفسها. ويرى أن الليبراليين الروس هم "حزب السلام"، "الأغبياء المفيدون"، "حزب الخيانة الوطنية" الذين يسعون للحفاظ على أرصدتهم في الغرب. مقابلهم ثمة "حزب الحرب"، حزب الواقعيين الذين يدركون أنه يستحيل خسارة هذه الحرب، وأن النقود في الجيب ليست هي الأهم، وأن المصالح الخاصة ينبغي أن تخضع للمصالح الوطنية.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها