image
الثلاثاء 2022/02/01

آخر تحديث: 06:31 (بيروت)

روسيا..وتقسيم سوريا "الواقعي"

الثلاثاء 2022/02/01 بسام مقداد
روسيا..وتقسيم سوريا "الواقعي"
increase حجم الخط decrease

في استعراضه لنتائج العملية العسكرية الروسية في سوريا بعد 5 سنوات على إنطلاقها، تساءل موقع إعلامي روسي إقليمي في حينها ما إن كان "التدخل في سوريا" مبرراً أم لا. وكتب آنذاك أن الحرب قد أُعلن رسميا بأنها إنتهت، لكن العسكريين الروس لا زالوا في سوريا، والسؤال يبقى عن الفائدة التي تنتظرها منها روسيا. فالعملية في سوريا أتاحت لروسيا إمكانية التباهي بنفسها على المسرح العالمي، والقول بأن العملية الأولى للجيش الروسي خارج روسيا لم تكلفها سوى القليل من الخسائر البشرية. الحرب الإعلامية قضت بأن تقدم العملية للروس كما قدم الأميركيون عملية "عاصفة في الصحراء". بعد الإعلان عن نهاية الحرب، حتى الأعداء الجيوسياسيون اعترفوا ب بوتين منتصراً، لكن هذا الرأي ليس مسلماً به في كل العالم، كما كان في ربيع العام 1945(الإنتصار على النازية الألمانبة).

في نهاية العام 2021 تحدثت أيضاً مواقع إعلامية روسية عن حصاد سوريا الروسي خلال السنة المنصرمة. وتحت عنوان "الجبهة مستقرة: نتائج السنة المنصرمة في سوريا" كتب موقع topwar التابع لوزارة الدفاع الروسية نهاية الشهر الأخير من السنة نصاً استعرض فيه التطورات السوربة خلال السنة. ويقول بعد  سنوات من المعارك العسكرية استقر خط الجبهة، ويحافظ في الفترة الأخيرة على معالمه الأساسية على الأرض. تسيطر دمشق على القسم الأساسي من البلاد، وتتحكم التشكيلات الموالية لتركيا بالجزء الرئيسي من إدلب، في حين تسيطر التشكيلات الكردية على الشمال وشمال شرق البلاد باستثناء منطقة وجود القوات التركية.

يرسم الموقع خريطة توزع القوى الداخلية والخارجية ومناطق نفوذها، ويقول بأن إسرائيل متورطة بشدة في الصراع، ويشن طيرانها الحربي من أراضيها باستمرار غارات على أهداف في سوريا. ويتحدث عن تعرض المواقع العسكرية الروسية لهجمات منتظمة من المقاتلين. ويرى أن الهجمات بمدافع الهاون والطائرات المسيّرة على قاعدة حميميم لم تعد تلحق عملياً اضراراً بها، وذلك لفعالية أنظمة الدفاع الجوي حولها.

ويخلص إلى القول بان نتائج العام المنصرم في سوريا يمكن تلخيصها بعبارة واحدة: الجبهة مستقرة والحرب مستمرة. لكن أهم ما أمكن بلوغه ليس القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية، بل الحؤول دون تجدد قوة الإرهابيين، والتي هي مسألة وقت فقط كما تشير التجربة الأفغانية.

موقع News.ru الروسي نشر آخر يوم في السنة المنصرمة نصاً بعنوان "روسيا في الشرق الأوسط في العام 2021 ـــــــــ الإستقرار وسط الإضطرابات"، قال فيه بأن العام الماضي لم يحمل لروسيا نجاحاً باهراً، لكنها تمكنت من الحفاظ على موقعها على خلفية الإضطرابات المستمرة في المنطقة.

يرى الموقع أنه لم تجر في سوريا خلال العام 2021 حملات عسكرية، بل اقتصرت العمليات الحربية على قصف جوي لقواعد الجهاديين في إدلب. ولا تزال توجد في هذه المنطقة بؤرة للإرهاب، لكن سكانها حصلوا على فترة إستراحة من العمليات العسكرية السنوية، والتي كانت تترافق مع نزوح حاشد لسكان المناطق المحاذية للجبهة وضحايا في صفوف المدنيين. وأظهرت القوات التركية المتمركزة في إدلب قدرتها على صد نشاط الراديكاليين من هيئة تحرير الشام المسيطرة على قسم كبير من المنطقة، ومنعتهم من الإنتقال إلى عمليات نشطة صد القوات النظامية. 

يعتبر الموقع أن هذه السنة كانت السنة الأولى التي كانت فيها إدلب منسجمة مع نص وروح تلك الإتفاقات التي حددتها قبل أربع سنوات على أنها "منطقة خفض التوتر"، وليست منطقة العمليات العسكرية المتواصلة على مستوى الجيوش.

ويرى الموقع أنه من غير المتوقع ان يشهد العام 2022 هجوماً لقوات النظام على إدلب إذا لم تطرأ تغيرات نوعية في مقاربات اللاعبين الخارجيين للأحداث في سوريا. روسيا ليست معنية بمواجهة مفتوحة مع القوات التركية الموجودة في سوريا. وهي ستواصل، كما في السابق، الضربات الجوية لقواعد الإرهابيين في منطقة إدلب، وكذلك البحث عن حلول توافقية مع أنقرة بشأن حل مشكلة إدلب والطرق الملائمة للطرفين في إجتثاث الإرهابيين المتمترسين في المنطقة. وعلى هذه الطرق ألا تؤدي إلى النزوح الجماعي لسكان المنطقة إلى تركيا نتيجة لعمليات حربية. وكانت المقترحات ذات الصلة، والتي تنص على جهود مشتركة بين روسيا وتركيا لمكافحة الإرهاب، قد سلمت بالفعل للجانب التركي للنظر فيها خلال محادثات كانون الأول /ديسمبر الماضي في نور سلطان في إطار منصة أستانا.

من جانب آخر، يسجل للدبلوماسية الروسية، برأي الموقع، نجاحها في إقناع أنقرة التخلي عن العملية العسكرية ضد قسد و"وحدات الدفاع الذاتي الشعبية" في شمال شرق سوريا. ولم تساهم في عملية "الإقناع" هذه فقط المشاورات بين العسكريين والدبلوماسيين الروس والأتراك، بل ساهم أيضاً تمركز القوات الروسية في المنطقة المفترضة للعمليات وظهور الطيران الحربي الروسي في سماء شمال شرق سويا. ومن المهم الإشارة إلى أنه، وبين أمور أخرى، لعب دوراً في ذلك الحوار الروسي الأميركي. ففي السابق كان جزءاً كبيراً من المجال الجوي فوق شمال شرق سوريا تسيطر عليه القوات الجوية الأميركية، وأصبح مفتوحاً الآن أمام نشاط القوات الجوية الروسية. وقد يشير هذا إلى أن الولايات المتحدة، وفي سياق بحثها عن إمكانيات ومواعيد إنسحابها من سوريا، مستعدة أن تلقي تدريجياً المسؤولية عن مصير الشمال الشرقي السوري على عاتق الجانب الروسي. لهذا قد يشهد العام 2022 عودة إندماج قسد والهياكل الكردية الأخرى في الشمال الشرقي في الجمهورية العربية السورية.

ويخلص الموقع من ذلك إلى الإستنتاج بأنه ينبغي على الأغلب أن نتوقع عمليات التقدم اللاحقة في استعادة الأراضي السورية إلى سلطة دمشق من الشمال الشرقي وليس من إدلب. وفي السياق عينه يجب ألا نستبعد أن يصبح الملف السوري نفسه الذراع الذي سيستعيد العلاقات الأميركية الروسية، ويمنحها دينامية إيجابية على بعض الإتجاهات.

موقع المجلس الروسي للعلاقات الدولية نشر للخبير فيه كيريل سيميونوف أواسط الشهر الأخير من السنة نصاً بعنوان "سوريا: أول سنة بدون حرب كبيرة". فال الكاتب بأن السنة المنصرمة قد تصبح حاسمة بالنسبة لسوريا في أمور عديدة، حيث أن الإتجاهات التي ظهرت خلالها قد تحدد تطور البلاد في المدى القصير وحتى المتوسط. في العام 2021، ولأول مرة منذ اندلاع الحرب الأهلية، تجنبت سوريا الأعمال الحربية الواسعة التي تشارك فيها تشكيلات عسكرية كبيرة وبشارك الطيران. ويكتسب هذا أهمية خاصة على خلفية أنه لم تجر حملات عسكرية كبيرة بعد أن وقع الرئيسان الروسي والتركي في آذار/مارس 2020 بروتوكولات إضافية للمذكرة بشأن إدلب. 

العمليات التي جرت خلال هذه الفترة للقضاء على خلايا الإرهابيين، لم تؤد إلى تغيير خط التماس بين المتصارعين ولا تغيير واقع النفوذ في المناطق. الوضع العسكري في سوريا استقر نهائيا في العام 2021، وذك حصرياً بسبب الوجود العسكري الخارجي الذي قد يرسخ تقسيم الدولة إلى مناطق نفوذ لسنوات طويلة قادمة. هذا الوضع الذي تتحاشى فيه القوى الصدام المباشر في ما بينها، قد يستمر طويلاً ويعرقل  عوامل سلبية بوسعها ان تؤدي إلى دورات عنف جديدة. 

في طليعة هذه العوامل السلبية يأتي غياب خريطة طريق واضحة للتسوية السياسية، حيث أن القرار 2254 لم تعد مندرجاته قابلة للتطبيق عملياً. ثاني هذه العوامل هو عدم قدرة الحكومة والمعارضة على الإتفاق على حلول توافقية، وفشل لجنة الدستور في عملها يؤكد هذه الحقيقة. 

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها