image
الخميس 2022/11/24

آخر تحديث: 07:43 (بيروت)

الاتفاق النووي الإيراني في ذمة التاريخ

الخميس 2022/11/24 محمد العزير
الاتفاق النووي الإيراني في ذمة التاريخ
increase حجم الخط decrease

تبددت هذا الأسبوع في العاصمة الأميركية آخر الآمال الضئيلة أصلًا في احياء المفاوضات بين الولايات المتحدة ومجموعة 5 زائد واحد وبين ايران للعودة الى الاتفاق النووي الذي تم التوصل اليه مع إدارة باراك اوباما عام 2015، وانسحبت منه إدارة دونالد ترامب عام 2018. أوحت التصريحات المتبادلة بين طهران وواشنطن بأن الاتفاق الهادف الى التزام الجمهورية الإسلامية بعدم انتاج سلاح ذري سيدفن دون الإعلان رسميًا عن وفاته، بعد الإعلان الإيراني عن زيادة التخصيب في موقع جديد وعودة إدارة جو بايدن الى التلويح بـ "كل الخيارات".

بعد أكثر من سنة ونصف على استئناف المفاوضات المباشرة وغير المباشرة في فيينا وجنيف والدوحة، وبعد ثلاثة أشهر على آخر رد إيراني رسمي على المقترحات الأميركية بشأن تجديد الاتفاق، وبعد أسبوع على ادانة الوكالة الدولية للطاقة الذرية للأنشطة النووية الإيرانية، وفيما تشهد الجمهورية الإسلامية أوسع احتجاجات شعبية في تاريخها، أعلن مدير الطاقة الذرية الإيراني محمد إسلامي أن بلاده وسّعت برنامج تخصيب اليورانيوم بدرجة 60 بالمئة الى موقع فوردو، ردًا على قرار الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي ادانت الأسبوع الماضي رفض ايران التعاون مع التحقيق الدولي بشأن آثار اليورانيوم التي عثر عليها في ثلاثة مواقع غير معلنة، وقال إسلامي بلهجة ملؤها التحدي: "لقد حذرنا سابقًا من أن الضغوط السياسية والقرارات لن تغير من التعاطي الإيراني".

سارعت واشنطن الى الرد على الإعلان الإيراني، وقالت على لسان المتحدث باسم مجلس الأمن القومي جون كيربي: "يتابع البيت الأبيض بقلق بالغ التطورات النووية الإيرانية، وسنعمل على التأكد من أن كل الخيارات متوفرة للرئيس... ولن يُسمح لإيران بامتلاك قدرات نووية. سياستنا نحو ذلك لم تتغير". وانضمت بريطانيا وفرنسا وألمانيا الى أميركا للتنديد بالإعلان الإيراني في خطوة تكميلية للتصويت اللافت في اجتماع مجلس أمناء الوكالة الدولية للطاقة الذرية الذي يضم 35 بلدًا بينها الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي (منها الصين وروسيا) والتي صوتت لصالح القرار الذي لم تصوت ضده الا فنزويلا وماليزيا وكوبا، بينما امتنعت أفغانستان، باكستان، مصر، البرازيل، جنوب افريقيا وتركيا عن التصويت، وتغيبت أذربيجان.

لم يكن الإعلان عن زيادة التخصيب يتيمًا، سبقه اعلان وزارة الخارجية الإيرانية على لسان المتحدث بإسمها ناصر كنعاني استنكار بلاده للقرار الدولي "الذي كان للأسف نتيجة ضغوط سياسية"، وانتهز كنعاني مناسبة الحديث عن البرنامج النووي للقفز الى الملف الأكثر الحاحًا، وهو موجة الإحتجاجات العارمة التي تشهدها بلاده منذ ثلاثة اشهر ونيف. هاجم كنعاني كل المواقف والقرارات الدولية المنددة بقمع المتظاهرين واعتبر "أي ذكر لموضوع حقوق الإنسان أو في مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة سيؤدي الى نتائج عكسية", وهو ما ردت عليه المتحدثة باسم البيت الأبيض كارين جون بيير بطريقة غير مباشرة بالقول: " نحن قلقون بشدة من تصاعد العنف ضد المتظاهرين السلميين الذين يطالبون بحقوق انسانية متساوية. السلطات الإيرانية قتلت حتى الآن المئات من الناس بناء على تقارير موثوقة. نحن ندين السلطات الإيرانية التي اعتقلت واطلقت النار على المتظاهرين السلميين، والتي استهدفت الصحافيين ونشطاء حقوق الإنسان والمدرسين والشخصيات الثقافية، كما ندين استمرار منع الإنترنت داخل ايران".

لم يكن هذا التصعيد صاعقة في سماء صافية. فمنذ أواسط آب الماضي، حين صعّدت طهران من مطالبها عشية الانتخابات النصفية في أميركا، انتقلت المفاوضات من سرية الردهات الدبلوماسية الى علنية التواصل الاجتماعي. يقول متابعون حريصون على احياء الاتفاق، كونه الأفضل لإيران وللمنطقة، أن القيادة الإيرانية بعد انتخاب المتشدد إبراهيم رئيسي أخطأت في تقدير الموقف وخلطت بين نفوذ المحافظين في ايران وبين هزيمة دونالد ترامب في أميركا، وظنّت أن بايدن سيسعى الى العودة الى الاتفاق بأي ثمن، وأن مواقفه محكومة بالإنتخابات النصفية التي تقيد حركته موضعيًا، لكنها تجاهلت تمامًا أن ما بعد ترامب ليس كما قبله، الّا أن ذلك لم يكن غلطة بل هو خطيئة لا يمكن تجاوزها.

راهنت طهران، مع الحرب الروسية على أوكرانيا، على اتساع شقة الخلاف بين موسكو والغرب. كانت، وفق المتابعين الحريصين انفسهم، تتموضع كقوة إقليمية ثابتة ينبغي على المعنيين التوجه اليها للتفاوض. لذلك لم تتوان عن تزويد فلاديمير بوتين بمسيّرات "شاهد" ولم تتردد في ايفاد خبرائها الى جزيرة القرم لتأهيل الجنود الروس. لكن الرد الأوكراني الذي أذهل أميركا أولًا، ثم روسيا والعالم من بعدهما، دفع المعنيين الى إعادة حساباتهم. تحولت روسيا خلال أسابيع قليلة من دولة عظمى ذات انياب نووية شرسة الى كيان سياسي آخر في هذا العالم، يحاول أن ينسج من التاريخ حكاية تسمح له بالبقاء.

بين المسيّرات الإنتحارية "شاهد" التي ترسلها ايران الى روسيا، وبين عودة طهران الى مصاف العواصم المؤثرة دوليًا، اختار إبراهيم رئيسي، كما سلفه الأسبق أحمدي نجاد، الخيار الأول. فهل سيدفع جيل إيراني آخر ثمن هذا الخيار مجددًا؟


 

         


         

    

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها