image
الجمعة 2022/11/18

آخر تحديث: 18:18 (بيروت)

خصخصة الأمن

الجمعة 2022/11/18 مهند الحاج علي
خصخصة الأمن
increase حجم الخط decrease

في لبنان اليوم، مساران موازيان، الأول واضح وعلني في السياسة، والثاني يمثل تبعات التصدع الواسع نتيجة الإنهيار المالي والاقتصادي وعدم معالجته (وهذا خيار سياسي كذلك). 

على المستوى الأول، لدينا وضع سياسي عالق غالباً في الفراغ، وتحديداً عند نقطة شروط "حزب الله" للرئيس المقبل، والتي تتطابق مع مواصفات الوزير السابق سليمان فرنجية، وهو مرشح يرفضه بقوة الحليف الأبرز للتنظيم، رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل. هي حلقة مفرغة تحتاج الى جهود حثيثة لتدوير الزوايا، من دون توافر عناصرها بشكل كامل، لا محلياً، ولا اقليمياً. 

الأداة الأساسية في العمل السياسي هنا ليست الأفكار والمبادرات الجديدة، ولا الرؤيا الاقتصادية، بل القدرة على التعطيل عبر الإصرار على التوافق، وفرض شروط لا تُتيح التسويات. والتسوية هنا كالطبخ على نار خفيفة، يحتاج الى وقت طويل لتنضج ظروفه داخلياً وخارجياً، والأهم أن ضحاياه، وهم البشر المقيمون في هذه البلاد، تحصيل حاصل ولا مانع من ذرف بعضهم هنا أو هناك. هل يسأل أحد حزبه عن جدوى مقتل وإصابة العشرات في الطيونة؟ بالتأكيد لا.

وما ينطبق على الدماء، ينسحب كذلك على الوضع الاجتماعي-الاقتصادي، من يكترث اليوم من أحزاب السلطة بمعاناة ملايين اللبنانيين من أزمات الطاقة وارتفاع الأسعار وكلفة الاستشفاء وانتشار البطالة وتفشي الكوليرا؟ من الواضح أن أحداً في السلطة لا يكترث، لا بل يرون في الانهيار فرصة لشراء الذمم بأسعار أبخس، وكذلك لتحقيق أرباح سريعة من فرص تطل برأسها مالياً وخدمياً وأمنياً كذلك. 

ذاك أن الانهيار فتح باباً جديداً للربح من خلال توفير الخدمات المفقودة للدولة، ولكن بأسعار غير منطقية (نسبة لمعدلاتها في العالم، وليس لبنان). هكذا اليوم نرى شبكات المولدات المرتبطة بأغلبيتها بأحزاب السلطة وأقطابها، تُوفر الكهرباء بأسعار باهظة نسبة لما كان اللبنانيون يدفعونه قبل الأزمة. وهذا سينطبق كذلك على الأمن، إذ تحويله كسلعة يُوفر مداخيل تحتاج اليها أحزاب السلطة، سيما تلك التي تملك قدرات عسكرية وأمنية.

وهنا على المستوى الثاني، يبرز تدهور الأمن، ولو تدريجياً وببطء. ذاك أن هذا التدهور أو التشقق واضح المعالم والمسار، أكان لناحية الحوادث الأمنية البارزة مثل جرائم القتل والسطو المسلح والمخدرات وأحياناً الخطف، أو لجهة الفشل المتواصل للأجهزة الأمنية الأساسية.

كيف بإمكاننا قراءة مثلاً أن نسبة الجريمة ترتفع وتختلف نوعياً مع نمو السطو المسلح وشبكات المخدرات والاشتباكات الفردية (بين العائلات والعصابات-في بعض الأحيان كلاهما سيّان)، وبين حقيقة أن  التوقيفات والعمليات الأمنية تنخفض؟

في أيار (مايو) عام 2016، أي قبل الأزمة بـ3 سنوات، أوقف الجيش اللبناني 1733 شخصاً بتهم مختلفة. في الشهر ذاته عام 2021، أوقف الجيش 686 مطلوباً (أقل بثلاث مرات). الشهر ذاته هذا العام، كان الرقم 310، أي أقل من النصف. هل تنخفض الجريمة بشكل سريع، أم أن الجيش بات يُوزع قدراته وموارده وفقاً لآلية معينة كمثل التركيز على الجرائم الكبرى؟

بالتأكيد لا تنخفض الجريمة. خلال 3 أسابيع فقط، سمعنا بثلاث عمليات توقيف لشحنات كبيرة من الكبتاغون، الى أبيدجان والمغرب والسودان، علاوة على ضبط مصنع للمخدرات في حوش بردى-بعلبك. 

لهذا فإن التوقيفات لا تعكس انخفاضاً في الجريمة التي ترتفع وفقاً لمؤشرات عدة، بل في قدرة الدولة اللبنانية على ممارسة مهامها، بدليل ارتفاع وتيرة الفرار من السجون، وهي دورية (شبه أسبوعية)، وتجعل من الصعب على من يملك السلاح والموارد أن يأخذ الدولة على محمل الجد، إذ باتت قدرتها على الردع منخفضة.

لهذا، نجد أنفسنا اليوم أمام مسارين، الأول ارتفاع في الجريمة نتيجة الواقع الاقتصادي-الاجتماعي، والثاني انخفاض في قدرة الدولة على ممارسة مهامها، ما سيرفع كلفة الأمن على المواطن(ة)، تماماً كما في قطاع الكهرباء. شبكات القبضايات والميليشيات نفسها التي ظهرت على محطات الوقود العام الماضي لـ"حمايتها" و"ادارتها" مقابل بدل مادي، ستُعاود ظهورها قريباً مع مزيد من الضعف في قدرات الأمن على ضبط الوضع.

هذه موجة خصخصة تزحف باتجاه أغلب الخدمات، وبالتأكيد فإن المستفيدين الأساسيين منها ليسوا سوى أصحاب النفوذ عينهم، مؤلفي الانهيار وفصوله اللاحقة.

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها