آخر تحديث:06:03(بيروت)
الجمعة 14/01/2022
share

السياسة ليست كرنفالاً موسمياً

مهند الحاج علي | الجمعة 14/01/2022
شارك المقال :
السياسة ليست كرنفالاً موسمياً

وسط كل الضوضاء السياسية، على اللبناني أن يبحث جاهداً عمّا يُسمى "القوى البديلة"، أي تلك المنبثقة من انتفاضة 17 تشرين الأول (أكتوبر) عام 2019. عليه أن يُنقّب كثيراً ليجد بياناً أو ربما ناشطاً أو ناشطة على شاشة تلفزيون تُهاجم أو تُفنّد أو ترد في مواجهة ممثل للسلطة في السياسة أو الإعلام وما أكثرهم. 

القوى البديلة منشغلة اليوم في التحضير للانتخابات، إما عبر التفاوض بين أجنحتها أو من خلال التأمل بالدوائر وإيجاد شواغر فيها، أو التأسيس لحملات انتخابية. وهناك عدد ليس بالهين من هؤلاء يحلم بأن يكون زميلاً لإيلي الفرزلي ومحمد رعد وعلي حسن الخليل وإبراهيم كنعان في البرلمان المقبل! 

صحيح أن الطموح السياسي ليس عيباً، لكن المشكلة أن هناك من يرى في المواقع السياسية هدفاً أسمى. هل الوصول الى بضعة مقاعد في البرلمان بانتخابات في ظل حكم الميليشيات والتمويل الخارجي، هدف يستحق كل هذا التركيز والمجهود؟ بالتأكيد لا. التجارب السابقة غير مشجعة، إن كان لجهة تجربة نائبي "حركة اليسار الديموقراطي" (أحدهما انضم لكتلة المستقبل) أو النائب بولا يعقوبيان. ولا تُوحي هذه التجارب بأن البرلمان وحده هو الطريق للتغيير، بل يتحول النواب فيه الى جزء من مجتمع الطبقة السياسية و"آدابه" وعلاقاته، بدلاً من تشكيل قوة تغييرية حقيقية. 

قد تكون المحاولة هنا ضرورية، لكن التركيز على الانتخابات بصفتها حلاً لمشكلات مزمنة، أو معبراً وحيداً لمقارعة طبقة سياسية مُتجذرة، ليس في محله، سيما لو تأمل المطالبون بالتغيير قليلاً في طبيعة الأحزاب وقدراتها ومكامن قوتها.

أحزاب السلطة لها جذور شعبية وبنت سرديات طائفية عن الهوية الوطنية، ولها تاريخ ورموز صنعتهم من خلال المشاركة في الحرب الأهلية، أو في مواجهة الاحتلالين السوري والإسرائيلي، أو عبر التعرض للاغتيال من خصوم الداخل والخارج. والأهم أن هذه الأحزاب تملك أيضاً شبكة إغاثة ومساعدات ومريدين ومستفيدين، علاوة على أزلام في المؤسسات الدينية.

صحيح أنها فشلت في إدارة شؤون الدولة، وأفسدت مؤسساتها ونهبت أموال الناس، لكنها ما زالت تملك جذوراً وشبكات ولاء وخدمات وقدرة على العنف، من الصعب ازالتها عبر صناديق الاقتراع.

مواجهة هذه السلطة تتطلب بناء تنظيم ينخرط في ورشة عمل تبدأ أولاً بالنشاط الاغاثي والإنساني، وهو مطلوب لا بل أساسي، وتنتهي بالعمل السياسي أكان عبر الاحتجاج أو وضع البرامج أو السياسات البديلة أو من خلال البيانات والسجال الاعلامي وغيرها، مروراً بالحضور الثقافي. وهذا ضروري أيضاً لبناء هوية أو هويات بديلة.

النشاط الاغاثي ممرٌ الزاميٌ، ولو كان رمزياً أو غير كافٍ لتلبية حاجات الناس، إذ يدل على هوية أخلاقية، وعلى التزام جدي بالتغيير، وليس على طموح وصولي. بيد أن تبديل الناس ولاءاتهم الحزبية يتطلب بناء متيناً من هذا النوع، وليس شخصيات ومجموعات كرتونية يقتصر حضورها فقط على منصات التواصل الاجتماعي.

الجهد الجدي طويل الأمد أيضاً، ويُظهر صلابة والتزاماً بالاستمرار بما أن الأزمة طويلة، ولأن السلطة السياسية ترغب في تحوير النقاش السياسي باتجاه صراعات الأقطاب والطوائف والقوى الإقليمية. في المقابل، بإمكان القوى البديلة بإعلامها ونشاطها الاغاثي والسياسي، مواجهة هذا التحريف للوقائع وتسخيفه وبناء وعي عام وحالة شعبية معارضة لا يُمكن تجاوزها.

الانتخابات محطة قصيرة، ومن يعتقد بأن نتائجها تُفضي إلى تغيير فاتته سنوات الصراع السياسي منذ 2005، فالأغلبية لا تعني الكثير في ظل السلاح والنظام التوافقي. ونحن اليوم صرنا في مرحلة متقدمة من الانهيار، لم تعد تنفع فيها المماطلة ومقاربة السياسة وكأنها كرنفال موسمي للتظاهر والانتخابات.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مهند الحاج علي

مهند الحاج علي

كاتب وصحافي لبناني

مقالات أخرى للكاتب