آخر تحديث:18:35(بيروت)
السبت 25/09/2021
share

أوهام إطاحة الائتلاف

جديع دواره | السبت 25/09/2021
شارك المقال :
أوهام إطاحة الائتلاف إعادة نظام الأسد إلى التفاوض لانتزاع تغيير ذي معنى، أصبحت تحتاج ثورة ثانية! (درعا-2021-غيتي)

تتعالى الأصوات لإطاحة "الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية" وتشكيل جسم وطني بديل. دعوات ليست بالجديدة، لكنها تعود اليوم بدلالة الحصاد المر لعشر سنوات من التضحيات، وبضغط من حالة الإحباط. فالتغيير المنشود في سوريا وصل الى أفق مسدود، والمخاوف تتعاظم من تحول "النصر المؤقت" لنظام الأسد الى نصر "طويل الأمد"، ما يولد ردّ فعل- طبيعياً- لدى كل الحالمين بضرورة فعل شيء ما، أضعفه الدعوة لتشكيل بديل عن "الائتلاف الوطني".

تترافق الدعوات مع سرديات ونشر غسيل يكاد يطاول الجميع، يختلط فيها الشخصي بالعام، وغالبيتها تدور حول فساد مالي وشراء ولاءات وانقسامات شخصية تتغذى على أمراض مزمنة، واتهامات بالتهافت على السفارات، وترك البناء الصلب لدرب الآلام والتضحيات الخيالية التي بذلها الشعب السوري تذهب أدراج الرياح.

كيف لا وأطنان الوثائق المعتمدة من قبل الأمم المتحدة، عن فظائع وجرائم نظام الأسد، وصور قيصر ومئات آلالف الضحايا والمعتقلين، والاستخدام المتكرر للكيماوي، وتدمير البلاد وتشريد الملايين...الخ، لم ينتج سوى سياسات هزيلة، وسوقاً من المزاودات والأوهام عن نصر حتمي آت، ولوائح عقوبات فردية وجماعية يسخر منها بشار الأسد ويعلن أنه قادر على التعامل معها، بل يتخذ منها مبرراً لعجزه عن فتح أي آفاق جديدة أمام السوريين من أنصاره.

الثورة التي انطلقت من حوران بشعار "الموت ولا المذلة"، انتهت بالموت والمذلة معاً، هكذا يعبّر بمرارة أحد المحاصرين في "درعا البلد". درعا التي تبحث عن "ضامن" بلا مجيب، فقضية الشعب السوري، غدت قضية انسانية، ومفاوضات على آليات ترحيل البشر من أرضهم وديارهم، وتوزيع المساعدات على من تبقى منهم، والتفاوض على فتح معبر وإغلاق آخر!

في عرف العمل السياسي المتحضر، الفشل يقتضي تنحي الفاشل سياسياً (على الأقل)، وإعطاء فرصة للآخرين، لكن هل هذا يكفي؟ وهل إصلاح "عطب الذات" ينقذ المركب بمن فيه...؟ وهل الإصلاح المطلوب بالصيغ المتداولة -استبدال الممثل الشرعي والوحيد- بمنصاته وتسمياته- سيقود بالضرورة الى الارتقاء بالفعل السياسي المعارض وتجاوز الإحباطات؟ هل المشكلة في الخطاب أم في العقلية؟ أم أن القضية تتجاوز الذات وتحيلنا الى السياقات والاشتراطات الموضوعية؟ وفي الحالتين، هل ستفيدنا هذه المعرفة في تجاوز واقع المعارضة السورية بشكل عام؟!

في نظرة عامة للمبنى والسياق الذي قام عليه الائتلاف وريث "المجلس الوطني" سنجد نقاط ارتكاز عديدة، حكمت أداءهما وطبعت سياساتهما، وكانت في صلب ما وصلنا اليه:

1. وُلد "المجلس الوطني" ومن بعده "الائتلاف الوطني" -كمنطقة نفوذ – للقوى المتدخلة في القضية السورية أو ما يسمى بالقوى الداعمة، والتي كانت بحاجة لوسيط يسهل تدخلها بما يجري داخل سوريا (كل وفقاً لمصالحه ومخاوفه). وقد تلبس الائتلاف هذا الدور، اعتقاداً منه بأن تلك القوى، هي من سيحسم المعركة مع الأسد، وبيدها الكلمة الفصل في الحكم على نظامه، على غرار ما حصل في ليبيا.
تلك المقاربة ساهمت إلى حد كبير في خلق وضعية ارتهانية، انتظارية، انتهازية بالمحصلة، لا تتعامل ولا تلتفت بالجدية الكافية للواقع والقوى الذاتية لإنتاج فعل سياسي ذاتي، ينطلق أولاً من مصلحة السوريين ويعمل وفق ما يملكون من أوراق قوة على الأرض، وبدلالة رؤية واستراتيجية وطنية موحدة واضحة للتغيير.

2. التركيبة الداخلية التي حكمت المجلس والائتلاف ولها سِمَتان:
الأولى: المحاصصة، القائمة على التمثيل (الماقبل وطني) لمعظم مؤسساته ومنصاته، مغلف بقشرة سياسية لتشكيلات سياسية لطالما قدمت نفسها على أنها عابرة للهويات القبلية، والدينية والإثنية.
والسمة الثانية: أن النخب القيادية لم تولد من رحم الحراك، بل ولدت في حضن الداعمين (لا يغير شيئاً إن كان الشخص قادماً من الداخل أو معتقلاً سابقاً طالما قبل بدوره هذا). أي انهم بشكل عام، ولدوا كموظفين، يتلقون الرواتب والهبات، من داعميهم، ويتبع لهم جيش من الموظفين الآخرين في مجالات متعددة، يختلط فيها الشرفاء بالمنتفعين والوسطاء، والجميع يتقاضى رواتب مقابل تصريف الأعمال والخدمات التي يقمون بها، وهي، وإن كان بعضها عظيم الشأن إنسانياً، لكنها سياسياً لم تنتج سوى الأوهام والإحباط.

3. ورث الائتلاف الشرخ "التاريخي" بين المعارضة التقليدية والشارع، ورغم محاولاته لم ينجح في ردم الهوة، بل إن الشرخ كان يسير باتجاه "فصام مزمن". حتى التنسيقيات والهيئات الشبابية، سرعان ما انفصلت عن الأرض لأسباب متعددة. كل هذا سهّل وسرّع الارتماء في أحضان ما يسمى بـ"الداعمين".

4. تشكيل المجلس الوطني (تشرين الأول 2011) أتى في ذروة الحراك المدني، وبالتالي سدّ الحاجة إلى "بُنية" سياسية بديلة عن النظام، أو على الأقل قادرة على الدخول في مفاوضات سياسية معه. أما تشكيل الائتلاف (تشرين الثاني 2012)، فقد أتى في ذروة التحول إلى العسكرة وظهور الفصائل الجهادية، ما شكل تهديداً فعلياً وحقيقياً للنظام، وبالتالي شجع الغرب عموماً ودول الخليج وتركيا، ليس فقط على دعم "هيئة" سياسية قادرة على إجراء مفاوضات مع نظام الأسد و"تحت السيطرة"، بل ويمكن التعويل عليها كبديل، ولو من باب الاحتياط وتحسباً للسيناريو الأسوأ "، وهو "سقوط النظام" على أيدي الجهاديين.

5. الخوف من تداعيات تدفق أعداد إضافية من اللاجئين، حكم السياسات الأوروبية، وجعلها بحاجة إلى شريك يصرف سياساتها (الإنسانية)، ويحفظ ماء وجهها أمام شعوبها بضرورة فعل شيء ما، فأوجدت ودعمت سياسات تقوم على المناصرة والتمويل، ولا ترتقي للتغيير، من قبيل مؤتمرات نصرة الشعب السوري، والدول المانحة وتقديم المساعدات للإيواء اللاجئين بدول الجوار بعيداً من حدودها، ودعم حقوق الإنسان والإعلام البديل، ودعم مؤسسات تعنى بالجندرة وإقامة الدورات للتدريب على التفاوض والعدالة الانتقالية...وصولاً إلى اللجنة الدستورية.

اليوم وبعد مرور نحو عقد من الزمن، سنجد أن معظم تلك الظروف والعوامل تراجع وتغير، ما يجعل الوظيفة السياسية التي وجد من أجلها الائتلاف -بالنظر للضرورات السابقة- في خط بياني هابط، ليصبح كل وجوده موضع تساؤل. فقد تراجع الخوف من تدفق اللاجئين السوريين للغرب، وجرى ضبطه وتطويقه بطرق متعددة، بل أصبحت مسألة ترحيلهم وإجبارهم على العودة إلى "سوريا الآمنة" موضع نقاش رسمي.

والتفاوض على تطبيق 2254 ووجود "هيئة حكم انتقالي" يفتح الباب لعملية تغيير سياسي، أي المهمة الأساسية للائتلاف، أصبحت شبه مستحيلة، فالنظام أنجز "انتصاره"، وأصبح غير مضطر لقبول الذهاب إلى مفاوضات لا يدعمها ميزان قوى على الأرض. بل إن إعادته الى مربع التفاوض الحقيقي لانتزاع تغيير ذي معنى، ربما أصبح بحاجة إلى ثورة ثانية! ودور "البديل" عن القوى "الجهادية"، بحكم الساقط، بعدما تمّ ضرب بُنيتها الأساسية في سوريا، والتحشيد اليوم انتقل إلى تطويق خطرها والتعامل معها في أفغانستان. أما ما تبقى من فصائل محلية "جهادية" في سوريا، فيجري دمجها وتطويع ما تبقى منها ضمن الفصائل المدعومة من تركيا.

أما لجهة قيادة الفعل السياسي على الأرض، فإن ما حدث في الحملة على درعا مؤخراً، وحصارها وتجويع أهلها وقصف أحيائها، كعقاب على موقفها من انتخاب بشار الأسد لدورة جديدة، يؤكد ما سبق وحدث في غير مكان، بأن المعارضة في كل مسمياتها وعلى رأسها "الائتلاف"، غير قادرة على تشكيل رافعة ومظلة للفعل السياسي على الأرض، فهي لم تنتج أكثر من خطابات وبيانات بلا رصيد وبلا فاعلية.

وأكثر من هذا، فإن هناك مؤشرات جدية على أن الموقف العربي الرسمي-وربما تالياً الغربي- سيجد نفسه مضطراً الى إعادة حساباته، وليس مستبعداً أن يساهم في إعادة تدوير نظام الأسد "الشرعي" بصيغته المهلهلة والبائسة مع تحسينات شكلية لا تغني ولا تسمن.

في المحصلة، فإن من يتوهمون أنهم بديل للائتلاف، سيجدون أنفسهم -على فرض نجح في مسعاهم- يؤدون بالضرورة دوراً بحكم المنتهي، فالستارة تكاد تسدل، أفغانستان تستقطب الشاشات والأجندات، وحريٌ بهم أن يتركوه لأوهامه ومصيره، ويعيدوا ترتيب أوراقهم في غرف هادئة. وكون الائتلاف "مكسر عصى" بحكم تصدره مشهد المعارضة في سوريا، فإن الفشل السياسي لا يطاوله وحده، بل يشمل كل قوى المعارضة السورية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وبالتالي فإن إعادة قراءة ما حصل واستخلاص الدروس، يقع على عاتق الجميع.

ربما من هم خارج الائتلاف -بحكم تحررهم من الدور الوظيفي- أقدر على مقاربة لا تعيد إنتاج الأوهام وتؤسس لفعل سياسي يستمد مبرره وينطلق من تحديات اليوم، ولا يتسول الاعتراف من أحد، يعمل بنفَس من يحمل قضية وآلام وتضحيات وآمال كل السوريين. جسد ينتج معارضة من لحم ودم، لها وجود على الأرض. ما أحوجنا الى مكاشفة حقيقية تؤسس لما هو جديد، وتكف عن تغذية الأوهام والنفخ في "قربة مثقوبة".


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

جديع دواره

جديع دواره

صحافي سوري