آخر تحديث:12:56(بيروت)
الخميس 22/07/2021
share

عندما يذرف الاسرائيليون الدموع على لبنان

ساطع نور الدين | الخميس 22/07/2021
شارك المقال :
عندما يذرف الاسرائيليون الدموع على لبنان © Getty

الدموع التي يذرفها المسؤولون الاسرائيليون، من كبيرهم رئيس الوزراء نفتالي بينيت الى صغارهم، هذه الايام، على لبنان في محنته، واللبنانيين في عذابهم، ربما تستدعي علاجاً نفسياً، أكثر مما تتطلب تفسيراً سياسياً. فعندما تجيش العاطفة، وتفيض في التعبير عن الحدود الطبيعية للعلاقة بين عدوين، تصبح  حالة مَرضية مستعصية، لا شفاء منها من دون أعراض جانبية بعيدة المدى.

التحذير الاسرائيلي المتكرر بشكل يومي من إنهيار لبنان، لم يعد يدخل فقط في باب الخبث والنفاق، ولا حتى التشفي والشماتة. ثمة ، كما يبدو، تخطيط إسرائيلي مسبق ومدروس لمقاربة الشأن اللبناني على هذا النحو المنتظم. الفرصة،  في الاصل، سانحة لمن يشاء أن يفجر عواطفه، ويطلق ملكاته اللغوية، التي بلغت حد قول أحد الضباط الاسرائيليين الذين شاركوا في جميع الحروب الاسرائيلية على لبنان، بالحرف "أن الألم يعتصر قلبه" على اللبنانيين!

      التحليل النفسي لهذا المرض الاسرائيلي سهل ومعروف. وهو يعتمد على تفكيك اللغة والمفردات والظواهر والنوايا، وصولاً الى تقدير السلوك والموقف، المحكوم طبعاً باللاوعي الاسرائيلي، الذي يبيح التعامل مع لبنان، بعداء خاصٍ وحقدٍ مميز، بناء على تجارب الماضي الممتد منذ سبعينات القرن الماضي وحتى اليوم، التي تركت ندوباً واضحة في العقل الاسرائيلي وجروحاً غائرة في الجسد اللبناني.

في الراهن، تفصح إسرائيل بأنها تخشى أولا من أن يؤدي إنهيار لبنان الى إنفلات الوضع على الحدود من لبنان، التي يمكن ان تصبح معبرا للفارين من بؤرة الفقر والجوع اللبنانية، اللبنانيين منهم وغير اللبنانيين، في إشارة كما يبدو الى بعض العمال السودانيين الذين سبقوا أن تسللوا الى الداخل الاسرائيلي في الاشهر القليلة الماضية، ثم أعيدوا على أعقابهم..

حتى الآن، لا تقدير إسرائيلياً، معلناً، لعدد اللبنانيين الذين يمكن ان يفروا الى العمق الاسرائيلي، ولا مقارنة مثلا بين تلك الموجة المحتملة من الهجرة اللبنانية وبين الموجة السورية التي بلغت ذروتها عندما إشتدت حملة النظام السوري ورعاته الروس والايرانيين على الجنوب السوري قبل خمس سنوات.. والتي كانت حصيلتها مخيبة، بل ربما محرجة للاسرائيليين الذين كانوا ولا يزالون يميلون الى نظام بشار الاسد.

لا حديث إسرائيلياً، حتى الآن على الاقل، عن إمكان إشتعال الجبهة اللبنانية الجنوبية، نتيجة الإنهيار في لبنان. لكن مشاعر العطف الاسرائيلية، تتحول  فجأة الى تقدير فريد، لا يدعمه أحد في العالم كله، ويردده فقط بعض المحللين  اللبنانيين الظرفاء، عن أن إيران تتحمل المسؤولية الرئيسية عن هذا الانهيار، ومعها طبعا حزب الله الذي يمكن، حسب هذا المنطق الاسرائيلي، أن يستغل هذا الظرف اللبناني السيء لكي يفرض سيطرته الكاملة على لبنان كله!

المؤكد أن هذا التقدير الاسرائيلي ليس عفوياً ولا عبثياً. ولا يمكن السجال معه بالاحالة الى وضع إيران الداخلي الحرج ، ومشروعها الاقليمي المضطرب الذي يعامل لبنان وحزب الله بأسلوب عقلاني مختلف عن تعامله مع العراق وحشده الشعبي واليمن وحركته الحوثية مثلا.. وهو ما يعرفه الاسرائيليون جيداً عندما يروجون ويضخمون المخاطر المحتملة على حدودهم الشمالية، وهي مخاطر شبه معدومة في هذه المرحلة، من الجهة اللبنانية والايرانية طبعا.

لا تفتقر تلك المخاطر المزعومة الدعم من بعض الرؤوس الحامية في بيروت وطهران عن "إنتصار المحور"، وعن "زوال الكيان"، وعن الاعتزاز والفخر بما يبثه العدو من شائعات عن الحشد العسكري والصاروخي على الاراضي اللبنانية.. بينما تتسلل إسرائيل شيئاً فشيئاً الى العمق اللبناني، من خلال تلك الحملة النفسية، المرفقة بالكثير من الدموع وعصير القلوب، لا سيما من كبار ضباط الجيش الاسرائيلي، لتعلن أنها لم تعد تكتفي بمتطلبات ردع الحرب( المستبعدة أصلاً) على الجبهة اللبنانية، بل صارت تطمح، مرة أخرى، لأن تكون شريكاً للعواصم العربية والاجنبية المعنية، في تحديد مستقبل لبنان الجديد الذي سيولد من ركام المحنة الراهنة. 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها