آخر تحديث:11:00(بيروت)
الأربعاء 09/06/2021
share

"المنصة حقها"

شادي لويس | الأربعاء 09/06/2021
شارك المقال :
  • "المنصة حقها"
    أمنية جاد الله
  • عائشة راتب
    عائشة راتب

بين عائشة راتب وأمنية جاد الله، سبعة عقود كاملة. في مطلع الخمسينات، خسرت راتب قضيتها أمام مجلس الدولة الذي حرمها، وغيرها من النساء، اعتلاء منصة القضاء. أما جاد الله، فمنذ أسست حملة "المنصة حقها" في العام 2014، مازالت تقدم الطعن بعد الآخر على قرارات المجلس نفسه، بغية إلزامه بنصوص الدستور المصري والاعتراف بحق المرأة في تولى مناصب القضاء من دون تمييز.

بعد كل التغيرات التي لحقت بالدولة والمجتمع في مصر، تظل قضيتهما واحدة، وإن كانت كل منهما تمثل نموذجاً مختلفاً من أشكال السياسية والعمل النسوي وتعكس موقعاً مغايراً من السلطة.

حصلت راتب على درجة الدكتوراه من فرنسا في العام 1955، وعادت إلى القاهرة لتصبح لاحقاً جزءاً من منظومة الحكم، كعضو في اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي في العام 1971، ثم تولت منصب وزيرة الشؤون الاجتماعية في العام 1974، وعُينت أول سفيرة مصرية بعد ذلك بخمسة أعوام. النقاط الأكثر إضاءة في تاريخها السياسي، كانت اعتراضها على السلطات الواسعة لرئيس الجمهورية في دستور العام 1971، واستقالتها الاحتجاجية من منصبها الوزاري بعد "انتفاضة الخبز" في العام 1977، ثم توبيخها العلني للرئيس مبارك في العام 2010، على إقامته شبه الدائمة في شرم الشيخ، ودعته للعودة للقاهرة، حتى "يشعر بالأزمة الطاحنة التي يعيشها شعبه". وتعكس سيرة راتب بعضاً من سياسات الاحتواء التي مارستها الدولة تجاه النساء، سواء بنوايا صادقة أو لمجرد توظيفهن كواجهة لخطاب تحديثي، وكذا تكشف التفاوتات بين مؤسسات الدولة على مسطرة القياس الذكوري، أي عن مساحات المرونة والاستيعاب، والنطاقات الأخرى التي حافظت على صلابتها البطريركية أكثر من غيرها، وتحديداً في الجيش والقضاء والمؤسسة الدينية، التي ظلت محرّمة على النساء. لكن ذلك الاحتواء لم يكن كاملاً، فراتب كانت بلا شك جزءاً من منظومة الحكم، لكن موقعها هذا أتاح لها الدفاع عن حقوق المرأة من الداخل، وتحقيق بعض المكاسب لصالحها، وكذا انتقاد السلطة سياسياً.

قبل أيام، أعلن المجلس الأعلى للقضاء برئاسة عبدالفتاح السيسي، عن بدء عمل المرأة في مجلس الدولة والنيابة العامة أخيراً، وهو القرار الذي سيصبح سارياً في أكتوبر المقبل. ليست هذه المرة الأولى التي يُعلن فيها تعيين النساء في مناصب قضائية. فالمستشارة تهاني الجبالي كانت قد نصبت في العام 2003 كنائبة لرئيس المحكمة الدستورية العليا، وفي العام 2007 عُينت أول دفعة من 32 قاضية في السلك القضائي، وبعد ثماني سنوات كاملة عينت دفعة أخرى في العام 2015 بإجمالي 66 قاضية فقط، بين 16 ألف قاضٍ. يظل هذا القرار الأخير خطوة للأمام، فالتعيينات السابقة ظلت مقتصرة على المحاكم الجنائية والمدنية والاقتصادية، ولم تشمل مجلس الدولة، الجهة الأعلى للافتاء القانوني في مصر.

يوم السبت الماضي، تقدمت جاد الله بطعنها الخامس على قرارات مجلس الدولة، ودعواها الثالثة ضده، مختصمة رئيس الجمهورية، بسبب قرار فتح باب التعيين في المجلس أمام النساء. فالقرار الأخير قصَر حق التقدم على أعضاء هيئة النيابة الإدارية وهيئة قضايا الدولة، فيما كان يجدر بالقرار أن يمنح هذا الحق لكل خريجات كلية الحقوق، أسوة بالخريجين من الذكور.

وتمثل جاد الله، نموذجاً آخر كما أشرنا سابقاً. فالشابة المحجبة البشوشة، خريجة جامعة الأزهر وعضو هيئة تدريسها، لا تتحرك من داخل منظومة الحكم، وإن كانت تفعل ذلك من داخل مؤسسات الدولة، فيما تلقى دعماً من منظمات المجتمع المدني في الداخل، واعترافاً عابراً للحدود موثقاً بعدد من الجوائز والتكريمات الدولية. ترفض جاد الله، عبر طعوناتها المتتالية، أن يكون جلوس النساء على منصات القضاء مجرد منحة سياسية ذات طابع استثنائي، أو عملية انتقائية تكتفي بتجميل صورة السلطة. وهكذا تصرّ حملة "المنصة حقها" على كشف عوار القرارات الأخيرة، وإفساد احتفاء السلطة بنفسها، طالما لم تتحقق المساواة الكاملة للنساء في السلك القضائي، بما فيه القضاء العسكري.

على غير ما يبدو، فالمسافة بين نموذجي راتب وجاد الله، ليست بهذا الاتساع. فكلٌّ منهما تحمل إيماناً بإمكانية التغيير بإداوت الدولة وآليات مؤسساتها ومن داخلها، وتعويلاً على النفَس الطويل والإصرار والزمن.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها