آخر تحديث:14:38(بيروت)
الخميس 03/06/2021
share

هكذا يتبدل الوعي الاميركي لقضية فلسطين

لوري كينغ | الخميس 03/06/2021
شارك المقال :
هكذا يتبدل الوعي الاميركي لقضية فلسطين © Getty
في مثل هذا الأسبوع من العام الماضي، صدحَ صوت صفارات إنذار الشرطة من أمام منزلي بشكل متواصل على مدى 72 ساعة. اندلعت الاحتجاجات والتظاهرات في كل أنحاء أميركا، في مدن كبيرة وصغيرة، وذلك عقب مقتل جورج فلويد في 25 أيار/مايو، على يد ضابط شرطة عنصري في مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا. أسقط المعتصمون تماثيل جنرالات الكونفدرالية التابعة لحقبة الحرب الأهلية الأميركية (1860-1864)، بالإضافة الى تمثال كريستوفر كولومبوس، في حركة تخريبية عمّت البلاد. طالب المعتصمون في الشارع، كما الناشطون عبر مواقع التواصل الإجتماعي، بمحاسبة علنية لأميركا حول خطايا عديدة أهمها: الإبادة الجماعية للشعوب الأصلية واختطاف واستعباد الأفارقة.
في واشنطن، اقتحم عدد من اللصوص "المغامرين" المتاجر الكبرى في جادة ويسكونسن، بينما كان تركيز عناصر الشرطة على مظاهرات Black Lives Matter في وسط المدينة. من جهة أخرى، استغل آخرون الوضع لإلقاء الحجارة والطوب عبر نوافذ المتاجر في نواح عديدة من المدينة، علماً أن "فورة النهب" المخيفة لم تكن مرتبطة بالاحتجاجات السياسية.
على الرغم من وباء كورونا والمطالبة بالتقيد بالإجراءات الوقائية، كالمحافظة على المسافة المجتمعية، إلا أن آلاف الأشخاص، من جميع الأعمار والأعراق والأجناس والطبقات الإجتماعية، اجتمعوا في شوارع واشنطن مرددين هتافات للمطالبة بالعدالة لجورج فلويد. "حياة السود مهمة".. هي صرخة يتردد صداها بقوة خاصة في العاصمة، التي يتحدر نصف سكانها أميركيين من أصل أفريقي وهم مستضعفون اقتصادياً.
نظراً لتكرار جرائم قتل عناصر الشرطة للأشخاص من ذوي البشرة السوداء في الولايات المتحدة، تحولت الاحتجاجات الى ظاهرة روتينية، خاصة بعد ظهور حركة Black Lives Matter عقب مقتل مايكل براون في فيرغسون بولاية ميسوري في عام 2014. ولكن في حزيران\يونيو 2020، حصل شيء مختلف: المظاهرات التي أعقبت مقتل أميركيين أفارقة أو أميركيين من أصول أفريقية آخرين على أيدي عناصر الشرطة العنصرية جرت في مواعيد وأماكن معينة. إلا أنه هذه المرة لم تكن هناك من قيود زمنية أو مكانية. إذ تحولت الشوارع المحيطة بالبيت الأبيض إلى "ميدان عام" يواجه فيه المحتجون، بمختلف أعمارهم وخلفياتهم، على مدى أيام، عناصر من الشرطة مدججة بالسلاح- ومعظمهم من البيض- ومجهزين على هيئة "نينجا"، من معدات وأقنعة سوداء وغيرها.
من جهته، قام الرئيس الاميركي السابق دونالد ترامب وفريقه ببذل كل جهوده آنذاك لتصوير المتظاهرين على أنهم متطرفون خطيرون ينتمون الى حركة "أنتيفا"(المناهضة للفاشية) ويخططون للعنف والفوضى والتدمير. لأول مرة منذ عقود، تم إطلاق الغازات المسيلة للدموع على المتظاهرين وتم دفعهم بعيداً عن حديقة لافاييت القريبة من البيت الأبيض. وعلى الرغم من ذلك، إستفاضت موجة الغضب والتضامن مع جورج فلويد والأميركيين من أصول أفريقية وانتشرت خارج الولايات المتحدة، حيث شهدت المملكة المتحدة وأوروبا وأميركا اللاتينية احتجاجات عديدة في هذا الشأن. قال النقاد: "شيٌ ما تغيّر". وردد النشطاء "جورج فلويد غيّر العالم".
مرّ عام، وعلى الرغم من عدم سماع صفارات إنذار الشرطة من خارج نافذتي هذا الأسبوع، حصلت احتجاجات حاشدة في العاصمة واشنطن، وأماكن أخرى في جميع أنحاء الولايات المتحدة. وأيضاً وأيضاً، في جميع أنحاء العالم. الهدف الرئيسي من تلك الإحتجاجات هو دعم حقوق الفلسطينيين وإدانة تفلت إسرائيل من العقاب على جرائم حرب متتالية في غزة. بدوري، لقد شاركت في ما لا يقل عن ست تظاهرات مؤيدة للفلسطينيين في واشنطن على مدى العقديْن الماضييْن. عادة، تنطلق التظاهرات من البيت الأبيض ومن ثم يسير المتظاهرون بضعة أميال في المدينة لمدة ساعتين تقريباً. يشارك في تلك التظاهرات نحو ألف شخص، أغلبهم من العرب الأميركيين، وفلسطينيون، ومسلمون، وناشطون من مجموعات السلام. المختلف في هذا العام تحديداً، هو العدد الكبير والضخم للاحتجاجات التي حصلت خلال الأسبوعيْن الماضييْن في واشنطن وأماكن أخرى، وقد جذبت هذه الاحتجاجات أعداداً ضخمة من الناس إلى الشوارع، ومن خلفيات متعددة. وبشكل غير مسبوق، تمحورت عناوين الصحف الأميركية حول قضية فلسطين، إذ لفتت الصحف الانظار الى الانتهاكات الإسرائيلية ونقلت معاناة الفلسطينيين. وأكثر ما كان لافتاً، هو تقرير هيومن رايتس ووتش الذي نُشر في أواخر نيسان/أبريل، وقد وصف إسرائيل بأنها "دولة فصل عنصري" مما أدى إلى إحداث خرق كبير في ما يقال السردية الدبلوماسية العامة في إسرائيل (hasbara) وحول اعتبار إسرائيل "الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط".
اكتشف الأميركيون فجأة أن حياة الفلسطينيين مهمة، وأن كل التبريرات الإسرائيلية السابقة عن الإبادة الجماعية للمدنيين، والاحتلال، والحصار الاقتصادي، واستيطان أراضِ، وتدمير البنية التحتية، هي جميعها حجج فارغة. وأكثر من ذلك، أصبح من الممكن أن يتحول الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني ودعم الولايات المتحدة "غير المشروط" لإسرائيل- الى مواضيع رئيسية في السياسة الداخلية الأميركية والنقاشات الانتخابية، وهذا الإتجاه لم يسبق أن حصل منذ الانتفاضة الفلسطينية 1987-1993. وفي حال حصل هذا التوجه، قد يرغب الرئيس الاميركي جو بايدن في إعادة النظر في استراتيجيته (أو بالاحرى في لااستراتيجيته) في التعامل مع التعنت الإسرائيلي وانتهاكات القانون الدولي.
منذ توليه منصبه قبل أقل من خمسة أشهر، وفي أعقاب محاولة "الانقلاب الجمهوري" لمجموعة من المتعصبين البيض في مبنى الكابيتول، حصل بايدن على دعم كبير من قبل الجناح التقدمي للحزب الديمقراطي لإلغاء سياسات دونالد ترامب الكارثية حول فيروس كورونا، مما خفف الضغط على العائلات الأميركية، وخاصة العمال وأصحاب الطبقة الوسطى، من أجل المضي في التركيز على "الصفقة الخضراء الجديدة" استجابة للاحتباس الحراري، وعلى خطة فرض ضرائب على أصحاب المليارات. حتى إن أنصار المرشح الرئاسي السابق السيناتور بيرني ساندرز أثنوا على سياسة بايدن المحلية حتى الآن. منذ ذلك الوقت، يحاول الرئيس بايدن قدر المستطاع إبطال الضرر الذي أحدثه دونالد ترامب في سياساته التخريبية حول مواضيع عديدة ومنها: الهجرة، العنصرية الممنهجة، حقوق مجتمع الميم والأهم منها، أنه أعاد الخطاب اللائق والمحترم إلى البيت الأبيض.
بايدن.. هو رجل متقدم في السن عانى الكثير في حياته؛ منذ وفاة زوجته وابنته الرضيعة في حادث سيارة منذ أكثر من 40 عاماً، ووفاة أحد أبنائه مؤخراً بسرطان الدماغ، فيما الإبن الآخر سقط في دوامة الإدمان وتملّكه اليأس. هذا الوضع لبايدن يبعث للتعاطف معه، علماً أن الرئيس الاميركي لا يخشى المخاطرة في السياسة المحلية. من ناحية أخرى، يشير العمر المتقدم لبايدن الى انه لن يسعى إلى خوض معركة الانتخابات مجدداً، لذا هو غير منشغل في قراراته وتصريحاته، وما إذا كانت ستعجب الناخبين أم لا. يبدو أنه يريد أن يفعل الصواب، ولهذا السبب، يبدو صمته حول أفعال إسرائيل أمر محيّر. وما لا يمكن إنكاره خلال الشهر الماضي، هو الانقسام الحاصل بين بايدن والقاعدة الشعبية للحزب الديمقراطي.
في آذار/مارس 2010، قام بايدن، وقد كان يشغل آنذاك منصب نائب الرئيس الاميركي باراك أوباما، بزيارة رسمية إلى إسرائيل، في محاولة لاستئناف محادثات السلام والمفاوضات للوصول إلى اتفاق نهائي بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية. وقد حرصت إدارة أوباما على حل المسألة دبلوماسياً، لكن إسرائيل، بقيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، كانت معارضة لسياسات أوباما، خاصة بعد خطابه الشهير في جامعة القاهرة الذي طرح فيه بداية جديدة مع العالمين العربي والإسلامي. وبعد وقت قصير من وصول بايدن إلى إسرائيل، والإعلان علنياً أنه في ما يتعلق بالامن الإسرائيلي "لا يمكن الفصل بين بلدينا أميركا واسرائيل"، تلقى بايدن، ومعها إدارة أوباما أجمعين، صفعة قوية حين أعلنت وزارة الداخلية الإسرائيلية أنه سيتم بناء 1600 وحدة سكنية جديدة لليهود في القدس الشرقية. صرح بايدن وقتها أن هذه كانت "خطوة في اتجاه تقويض الثقة التي نحن في أمس الحاجة إليها الآن". وقد حثّ وقتها المسؤولون في وزارة الخارجية في واشنطن بايدن على العودة إلى أميركا. لكن بايدن قرر الإستمرار في الزيارة وحضر، وإن متأخراً، عشاءً أقامه نتنياهو على شرفه.
وعلى الرغم من الإذلال الذي تعرض له بايدن من قبل نتنياهو قبل نحو 12 عاماً، إلا أن بايدن لم يتعلم الدرس وما زال المسؤولون الإسرائيليين يعتبرونه "أحمق". وفي كل الاحوال، سيبقى  دونالد ترامب الرئيس الأميركي المفضل لدى اسرائيل، مهما حاول بايدن والحرس القديم للحزب الديمقراطي إثبات ولائهم لإسرائيل في سياساتها الفاشية الحالية، ستودّ إسرائيل دائماً أن ترى ترامب أو أي شخص مماثل له في البيت الأبيض في الانتخابات القادمة في 2024. عدا عن أن قاعدة الدعم الأميركي لليمين المتشدد في إسرائيل متواجدة في الحزب الجمهوري، وخاصة بين المسيحيين الصهاينة الإنجيليين البيض. وبالتالي، لا يمكن لبايدن أن يفوز بأصوات هؤلاء الناخبين عبر منح نتنياهو وجماعته العنصرية الحكم المطلق. هو لا يستطيع أن يتفوق على ترامب من خلال إعطاء إسرائيل كل ما تطلبه.
الإنشقاق الحاصل داخل الحزب الديمقراطي يمهد لمطارحات أيديولوجية مختلفة لأجيال عديدة قادمة. وعلى وجه الخصوص، اليهود الأميركيون الأصغر سناً، الذين برز تواجدهم في عدد من الاحتجاجات الأخيرة ضد جرائم الحرب الإسرائيلية. وقبل أسبوعين، أصدر فريق العمل في حملة بايدن (معظمهم ممن تقل أعمارهم عن 30 عامًا) خطاباً مفتوحاً يحثون فيه الرئيس على اتخاذ موقف مختلف تجاه الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. بدورهم، ينظم الموسيقيون في الوقت الحالي حملة لدعم حقوق الإنسان والفلسطينيين، ما يذكرنا بالاحتجاجات المناهضة للفصل العنصري التي هزت نظام التمييز العنصري في جنوب إفريقيا قبل 30 عاماً. شاء أم أبى، يتم جر بايدن والحزب الديمقراطي إلى نقاش طال انتظاره حول دعم الولايات المتحدة لإسرائيل.
"حياة الفلسطينيين مهمة".. هكذا يتبدل الوعي الاميركي تجاه القضية الفلسطينية، حيث لا يمكن تصنيفها ضمن قضايا السياسة الداخلية المحلية أو الخارجية. هذا الأمر أصبح جلياً داخل الكونغرس الأميركي، وكذلك في الجالية اليهودية الأميركية. من جهة أخرى، إن الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي، المتمثل في النساء الشابات الملونات، وهم: ألكساندريا أوكاسيو كورتيز، ورشيدة طليب، وإلهان عمر وكوري بوش - على خلاف واضح مع الحرس القديم في الحزب الديمقراطي الذي يتشكل معظمه من رجال "من ذوي البشرة البيضاء"، والذي يمثل بايدن أفضل تجسيد لهم.
شيء ما تبدل في الولايات المتحدة خلال العام الماضي: الإطار السردي حول قضية فلسطين. "حياة السود مهمة" كما النشاطات والحملات التي يقوم بها الأميركيون الأصليون في الشوارع، بالإضافة إلى الخطاب الجديد الذي يرتكز على مبدأين وهما إنهاء الاستعمار والتعويضات للفلسطينيين، وهو خطاب يروج له بين المثقفين التقدميين والأكاديميين والمحللين والناشطين، هي جميعها تعيد بلورة تصورات ومفاهيم الأميركيين للفلسطينيين، على سبيل المثال، بأنه يحق للفلسطينيين بالحصول على حقوقهم كسائر البشر. الفلسطينيون وعلى غرار ما حصل لجورج فلويد، يتعرضون للأفعال الوحشية على يد إسرائيل، إلا أن بايدن وفريقه من الحرس القديم في الحزب الديمقراطي يتجاهلون الخطاب المتغير في ما يخص القضية الفلسطينية في الولايات المتحدة.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

لوري كينغ

لوري كينغ

أستاذة الأنثروبولوجيا في جامعة جورج تاون، واشنطن zinjabeela@gmail.com

مقالات أخرى للكاتب