آخر تحديث:09:11(بيروت)
الخميس 29/04/2021
share

سطوة أيمن جابر على مذبح "آل الأسد"

إياد الجعفري | الخميس 29/04/2021
شارك المقال :
سطوة أيمن جابر على مذبح "آل الأسد"

"بغض النظر عن ما يتحدثون عنه بالأمور الاقتصادية عن الدكتور أيمن جابر.. نحن لا ننسى أنه كانت بداية خطاباته- نحن تحت سقف الوطن وأوامر سيادة الرئيس بشار الأسد.. ورح نضل تحت ظل سيادة الرئيس لآخر نفس وقطرة دم وروح بتنبض فينا".


كان ذلك آخر منشور لصفحة "فوج مغاوير البحر – الشرطة العسكرية" على "فيسبوك"، في 25 كانون الأول/ديسمبر 2019، وهو اليوم التالي لصدور قرار الجمارك السورية بالحجز الاحتياطي على أموال، أيمن جابر، صهر رئيس غرفة تجارة وصناعة اللاذقية، كمال الأسد، ابن عم رأس النظام، بشار الأسد. 


لكن تلك اللغة المتوسلة، لم تكن كفيلة بإنقاذ أسطورة –أيمن جابر- من الخاتمة التي كُتبت لها منذ ربيع العام 2018. حينما تمكن بشار وشقيقه ماهر الأسد، الداعم السابق لـ أيمن جابر، من تدعيم نيتهما المُبيّتة بالإجهاز على ركائز قوة الرجل، بضوء أخضر روسيّ. وربما تعود تلك النيّة المبيتة إلى ربيع العام 2016، حينما أظهر أيمن جابر، وشقيقه، محمد، ملامح خروج عن سطوة العائلة الحاكمة. أو هكذا شعر بشار الأسد على الأقل. 


وكان من اللافت، في مسيرة تصفية قوة أيمن جابر، أن تزامن قرار الحجز الأول على أمواله، في نهاية العام 2019، مع قرار الحجز على أموال ابن خال الأسد، رامي مخلوف، ليقدم مؤشراً يوضح سبب انقلاب رأس النظام على اثنين من أبرز داعميه، رغم المصاهرة العائلية، والعلاقة الوطيدة مع أيمن جابر التي تعود إلى العام 2001. فالرجلان، مخلوف وجابر، تخطيا سقف النفوذ المقبول من جانب بشار وشقيقه، في أوساط الطائفة العلوية. وباتا يشكلان خطراً على استمرارية حصر الحكم بآل الأسد. خاصةً بعد انتهاء الحاجة لخدمات الرجلين، وبروز حاجة ملحة لإعادة توزيع مراكز القوى داخل أعلى هرم النظام، بصورة تنهي حالة انحياز المركز عن آل الأسد، الذي بدأ وتفاقم كظاهرة ترافقت مع اندلاع الثورة عام 2011.


لذلك يمثّل قرار الحجز الأخير، الصادر عن وزارة المالية بحكومة النظام، على أموال أيمن جابر وزوجته، استكمالاً لمسار تصفية –معنوية- بدأ منذ ثلاث سنوات، لرجلٍ تضخم تقديره لوزنه في وقتٍ من الأوقات، حتى أنه، وشقيقه محمد، أسبغا على نفسيهما ألقاباً من قبيل "القائد" و"حامي الوطن" و"المجاهد"، بصورة استفزت بشار الأسد في ربيع العام 2016، وظهر ذلك جلياً حينما تصدت صفحة محلية "فيسبوكية"، مدعومة مخابراتياً، -"سوريا فساد في زمن الإصلاح"-، لـ أيمن جابر وشقيقه، وشنت هجوماً عليهما متسائلةً: "هل لسوريا قائد سوى القائد المفدى بشار الأسد؟.. هل هنالك رجال غير رجال سوريا الأسد؟ من أين أتت تسمية رجال الصقور؟"، في إشارة إلى ميليشيا "صقور الصحراء"، التي كان يقودها محمد جابر، شقيق أيمن. وكان أن تنبه الأخير لخطر استفزاز الأسد حينها، فردت صفحة موالية له بالإشارة إلى أن الميليشيات التابعة له تعمل تحت راية "الجيش السوري" وتحت سقف قيادة "فخامة الرئيس الدكتور بشار الأسد".


لكن ذلك لم يكن كفيلاً، في تخفيف الحنق تجاهه، فالرجل الذي حظي بتكريمٍ نوعيّ من قائد القوات الروسية في سوريا، في مطلع العام 2016،  تعرض لمحاولة اغتيال بعد ذلك بأشهر قليلة، في ريف اللاذقية، واتهمت صفحة موالية له، أفراداً من آل الأسد وآل شاليش، بالضلوع في المحاولة التي نجا منها أيمن جابر، فيما لقي أحد مرافقيه مصرعه. جاء ذلك بالتزامن مع ضغوط تعرض لها من جانب الروس، كي يتخلى عن ميليشياته –صقور الصحراء ومغاوير البحر- التي لعبت دوراً كبيراً في حماية الساحل من هجمات المعارضة المسلحة. وهو ما خضع له أيمن جابر، بعد تلكؤ، لتلتهم روسيا ميليشياته ضمن "الفيلق الخامس"، التابع لها.


قِيل الكثير حول أسباب انقلاب الروس على أيمن جابر، ودعمهم لرغبة بشار الأسد في "قصقصة أجنحته"، وركّز بعضهم على العلاقة الخاصة التي ربطت أيمن جابر بالإيرانيين منذ العام 2013، بوصفها السبب الرئيس في الغضبة الروسية حياله. حتى عدّه البعض محسوباً على الجناح الإيراني داخل نظام الأسد. وبعيداً عن التخمينات العديدة بهذا الصدد، كان جلياً أن موسكو ألحت على مدى السنوات الثلاث الأخيرة على إنهاء أكبر قدر ممكن من الميليشيات التي تعمل خارج منظومة المؤسسة العسكرية الرسمية. فالاستراتيجية الروسية في سوريا قامت على إعادة تأهيل "جيش قوي"، مقابل استراتيجية إيرانية قامت على تعزيز الميليشيوية. وراح كُثر من قادة الميلشيات التي ظهرت بعيد العام 2011، ضحيةً لهذا التضارب بين الاستراتيجيتين الروسية والإيرانية، كان أبرزهم، أيمن جابر، وشقيقه. فكان تلكؤ الرجلين في قبول الضغط الروسي لحل ميليشياتهما، سبباً في انحياز موسكو لصالح بشار الأسد، الذي انضم إليه شقيقه، في الإجهاز على عوامل قوة آل جابر.


وفي سياق هذا الصراع، لم يخسر أيمن جابر، قوته المسلحة فقط، بل خسر أيضاً جزءاً كبيراً من ثروته المالية المنهوبة من السوريين على مدار عقدين من الزمن. ورغم عدم وجود بيانات أو أرقام توضح كم خسر "لورد ميناء اللاذقية"- سابقاً-، من ثروته الناتجة عن التهريب والأتاوات، وعن اقتصاد الحرب بما يتضمن من تعفيش وصفقات قذرة، فإن خروج آل جابر من المشهد تماماً، منذ نهاية العام 2019، والحديث عن خضوع أيمن جابر للإقامة الجبرية ومنع السفر، منذ ربيع العام 2020 على الأقل، يؤكد أن أحد أقوى رجالات –الطائفة- خلال العقد الأخير، بات اليوم، كحال شريكه السابق، رامي مخلوف، في مرحلة "نتف الريش"، التي وصلت، في ما يبدو، إلى مستوى متقدم من ملاحقة أمواله المهرّبة والمكنوزة في جنّات ضريبية وراء البحار، أو عبر حصص في شركات "أوف شور" لبنانية.


وهكذا كان مآلُ سطوة أحد أعتى أمراء الحرب ضد المعارضة السورية. إذ أراده بشار الأسد أن يكون عبرةً لأمراء حرب آخرين في سوريا، أن لا أحد منهم، يستطيع أن يتخطاه. وكي تكون إزاحته من خريطة مراكز القوى داخل النظام، مدماك أمان جديد، لاستمرارية حكم آل الأسد، من وجهة نظر رأس النظام وشقيقه. 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها