آخر تحديث:09:16(بيروت)
الأربعاء 28/04/2021
share

وداعاً للنيوليبرالية

شادي لويس | الأربعاء 28/04/2021
شارك المقال :
وداعاً للنيوليبرالية يحمل لافتة "موافق" على خلفية غرافيتي لضحايا عنف الشرطة التشيلية مع المتظاهرين قبيل إقرار الدستور الجديد في 2020 (غيتي)

تكرر مصطلح النيوليبرالية على مسامعنا، أكثر من غيره، على مدى العقدين الماضيين. تعويذة لطالما رددها الجميع، الماركسيون القدامى وجماعات الخضر والكينزيون ومابعد الحداثيين، ومن فرط التكرار فقدت الكلمة الفضفاضة أي معنى محدد. بدت النيوليبرالية دائماً عنوان عصر جديد، أكثر منها إيديولوجية متماسكة حقاً. عنوان لعالم القطب الواحد، ذلك الذي بدأت إرهاصاته قبل عقد أو أكثر من سقوط الاتحاد السوفياتي.

يؤرخ الكثيرون للبداية بانقلاب بينوشيه في تشيلي، مع ريغان وثاتشر كوجهين سينمائيين لتفكيك دولة الرفاه في العالم الغربي نفسه. كان أفول شبح الشيوعية يعني التراجع عن الكثير من المكتسبات الاجتماعية الممنوحة بعد الحرب العالمية الثانية، فثورة بلشفية أخرى لم تعد متخيلة بالأساس، دعك من أن تخيف أحداً. من أميركا اللاتينية إلى إندونيسيا، انطلقت سلسلة من الانقلابات العسكرية وحملات القمع الدموية، وتبعها سحق للنقابات والحركات العمالية في العالم الأول، بلغ ذروته في الثمانينات، وكان هذا كله يعني إطلاق العنان لرأس المال ودمج الهوامش مع المركز في منظومته المعولمة. لم يؤمن النيوليبراليون بعقيدة السوق مثل أسلافهم الليبراليين، كانوا أكثر واقعية منهم، فلا شيء طبيعياً بخصوص قواعد العرض والطلب أو آليات المنافسة، بل على المؤسسات أن تصطنع شروط السوق وتفرضها. هكذا لم تعد الدولة شراً لا بد من توسعه اللانهائي. لم تختلق النيوليبرالية الحرب على الإرهاب بالطبع، لكن اقتصاديات الحرب الهائلة وميزانيات الصناعات الأمنية كانت تحتاج إلى عدو في عالم لم يعد يواجه تهديداً أيديولوجياً حقيقياً. وتوافق أفول الخطر الأحمر مع صعود الخطر الأخضر، تهديد لا مركزي أباح عسكرة إمبراطورية في الخارج، وأمننة على مستوى شامل في الداخل.

تصل النيوليبرالية إلى حدودها القصوى، اتساع هائل في الفوارق الطبقية وتآكل للطبقات الوسطى ومركزة للثروة بشكل غير مسبوق، نتيجته تململ واسع في المراكز الرأسمالية وموجات من المهاجرين واللاجئين من دول الجنوب. يقود هذا كله إلى صعود مفاجئ لأقصى اليمين. وأتت الصدمة "الشعبوية" مقترنة بضربة الوباء الكاسحة، عقود من تقليم المؤسسات الاجتماعية وميزانيات التقشف كانت تعني تراجع جهوزية الخدمات العامة في حالات الطوارئ. الخطر الأصفر كان في الحسبان منذ زمن طويل، لكن الفارق المذهل في التعامل مع الوباء بين الصين والدول الغربية، كان صدمة إضافية أكثر إرباكاً وقسوة من فجيعة الوباء نفسه، على المستويات المادية والمعنوية خسرت الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون بشكل فادح.

من واشنطن، يعلن الرئيس بايدن الأولويات الجديدة، بشكل أكثر وضوحاً وتركيزاً، مواجهة الصين معركة مصيرية، أولوية الخطر الأصفر تعني تراجعاً للمعارك الهامشية للحرب على الإرهاب. التهديدات الداخلية من اليمين المتطرف، ومخاطر فقدان الريادة لصالح الصينيين خارجياً، تعني عودة لمرحلة ما قبل نهاية التاريخ. تتخذ الإدارة الأميركية الجديدة خطوات متتابعة نحو سياسات أكثر اجتماعية. رفع لشرائح الضرائب على الدخول والأرباح، استثمار ضخم في البنية التحتية والبحث العلمي. وبدلالات مباشرة، يستشهد بايدن بنسب الاستثمارات الحكومية المقابلة في الصين، ويعد بتجاوزها.

وفي تشيلي، حيث بدأ كل شيء، أسقطت أكبر موجة احتجاجات شهدتها البلاد، ميراث النيوليبرالية أخيراً، وصوّت التشيليون لصالح دستور جديد، هو الأول منذ بينوشيه، تعتمد بنوده مبادئ اشتراكية ودوراً أكبر للدولة في تقديم الخدمات العامة والاجتماعية.

عودة البيرونيين الجدد في الأرجنتين، وفشل الانقلاب اليميني في بوليفيا ورجوع الحكومة الاشتراكية، والفوز شبه المحسوم لليسار في البيرو خلال الأيام المقبلة، والعودة المتوقعة أو المأمولة للولا دا سيلفا في البرازيل، مع الانتفاضة الفلاحية الواسعة وغير المسبوقة ضد سياسات حكومة مودي النيوليبرالية في الهند، وحتى تظاهرات السترات الصُّفر المجهَضة إلى حين في فرنسا،.. كل هذا يشي بانحسار للنيوليبرالية في المراكز والهامش أيضاً، وأفول لوهج وُعودها التي لم تتحقق أبداً.

من المبكر الجزم بأي شيء الآن. فلعلنا بالفعل على وشك وداعها الأخير، أو أن انتصارها قد أصبح ساحقاً حتى أنها تستطيع النجاة بواسطة تعديلات طفيفة وتحت أسماء أخرى كثيرة مستعارة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

شادي لويس

شادي لويس

كاتب وباحث مصري

مقالات أخرى للكاتب