آخر تحديث:12:32(بيروت)
الإثنين 12/04/2021
share

الحرب الاهلية..التي لا تنتهي

ساطع نور الدين | الإثنين 12/04/2021
شارك المقال :
الحرب الاهلية..التي لا تنتهي © Getty
الدفع في إتجاه الاتفاق على فكرة أن إفلاس الدولة اللبنانية وتحللها الراهن هو نتاج الحرب الاهلية التي تحل اليوم ذكراها السنوية ال46، والثمن الذي يدفعه لبنان لتلك الحرب، بمفعول رجعي، ليس وهماً ولا إفتعالاً. ثمة ما يوجب الربط بين الحاضر البشع بذلك الماضي المشؤوم، بحثا عن مخارج لا يمكن العثور عليها من دون الاقرار ضمناً بأن اللبنانيين، في غالبيتهم وعلى إختلاف طوائفهم، ما زالوا هناك.

عندما يقال ان الاصل في الازمة الوطنية الحالية، محلي، بينما دور الخارج في صناعتها، هامشي أو ثانوي، يصبح محتماً تفكيك العناصر الداخلية، والنظر في ما اذا كان بالامكان رسم خط بياني يحدد طبيعة النهاية وموعدها: نهاية الأزمة، أم نهاية البلد؟ حسبما تهجس عامة اللبنانيين التي تشعر اليوم بيأس يفوق ما ساد في العام 1975، وتعتبر ان لا مستقبل للبنان، ولا لشعبه.

الاحالة الى الحرب الاهلية سهلة وبسيطة، ولا تحتاج الى أدلة إضافية: أمراء تلك الحرب هم أنفسهم أمراء الحكم. الاستثناءات نادرة، وهي لا تنفي تلك المعادلة بل ترسخها. فلسفة الدولة، أي التقاسم الوظيفي لأدوارها ومؤسساتها، المبني على تفاهمات طائفية هشة صيغت على عجل وبلا أي أفق تحديثي في اتفاق الطائف، تخضع هذه الايام لاختبار هو الاصعب في تاريخ لبنان بأعوامه المئة. التوازن الدقيق، بين قطاع خاص بالغ التفوق والنجاح، وبين قطاع عام بالغ الثقل والتشرذم، إختل اليوم بإختلال أو بالاحرى بخروج القطاع المصرفي من المعادلة، وتحوله الى سفينة تنقل الساعين الى النجاة من الزلزال الى ملاذات آمنة وجنات ضريبية بديلة في الخارج.

      لكن هؤلاء الامراء لن يرحلوا نهائياً، ولن ينضموا الى أسماء كثيرة من رموز الحرب وأثريائها من مختلف الطوائف، الذين حملوا ثرواتهم المستحدثة وهاجروا الى مختلف دول العالم، متنكرين بأقنعة النابذين للعنف والسلاح، والزاهدين في بقية مغانم الحرب وسلطاتها المنقولة. الباقون هنا، أشد وفاء لجمهورهم، وفلول مليشياتهم، وأكثر إلتزاماً بدورهم الماضي، الذي لم تحررهم منه تجربة ما بعد صمت المدافع. بعضهم جرب الهجرة وفشل. بعضهم لم يكن لديه مكان يذهب إليه.

الزعم أن دولة لبنان ما قبل الحرب الاهلية هي التي تتفكك اليوم وتمضي نحو الزوال، لا يستقيم مع حقيقة أن تلك الدولة هي التي أنتجت الحرب، التي كانت بمثابة مناسبة لكي تعبر مختلف الطوائف عن أحقادها وتفجر كراهياتها الموروثة.. التي كان يعتقد ان مرحلة السلم الاهلي محتها من النفوس، فإذا هي اليوم تشكل مظلة خفية لجميع الصراعات المدمرة التي يخوضها أمراء الحرب اليوم، تحت عناوين جوهرية وجدية جدا، من صلب الدستور المتنازع عليه، مثل صلاحيات الرئاسات الثلاث، ومسؤولياتها وحصصها.. وغيرها من وظائف بقية المؤسسات مثل المصرف المركزي والمؤسسة العسكرية والاجهزة الامنية..

والحال أن دولة الحرب الاهلية ما زالت راسخة ومتجذرة، بل هي في ذروة معاركها الداخلية، التي كانت مشتعلة في سبعينات وثمانينات القرن الماضي. والتماثل بين ما كانت تعيشه كل طائفة وبين ما تواجهه اليوم، من كوابيس يبدو صادماً الآن: ما زال الموارنة يعيشون حلم الامتيازات، وما زال السنة في صدمتهم لفقدانهم دور الشراكة الثنائية في تأسيس الدولة، وما زال الشيعة في غضبتهم، خارجين على الدولة والقانون..

التغير الوحيد الذي طرأ على هذا المشهد اللبناني المعطوب، هو أن الخارج أصبح بعيداً جدا عن متناول أي طائفة لبنانية، وعن مدى الرغبة في وقف إنهيار لبنان، بأيدي أبنائه وحدهم..بناء على فهم خارجي مختلف مفاده أن لبنان ليس مفلساً ولا محكوماً بالزوال. وشعبه ليس منغلقاً ولا متخلفاً، ودولته قابلة للحياة مرة أخرى، إن لم يكن العام المقبل، ففي الاعوام التالية.

والغريب أن هذا بالضبط ما كان الخارج يقوله في مستهل الحرب الاهلية، وكان واثقاً من أن جميع العوامل الخارجية الطارئة على لبنان، ستزول ويبقى اللبنانيون وحدهم. هذا الخارج، اليوم، لا يرى أملاً سوى في الجيل اللبناني الجديد الذي خرج الى الشوارع في 17 تشرين العام 2019، ولم يعُد.. مع أن مهمة إنهاء الحرب الاهلية ما زالت في بدايتها.              

       


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها