آخر تحديث:08:28(بيروت)
الأربعاء 10/02/2021
share

الماروني الأخير

ساطع نور الدين | الأربعاء 10/02/2021
شارك المقال :
الماروني الأخير
كاد يوافق، قبل أشهر، على الشروع في كتابة مذكراته، الممتدة من سليمان فرنجية إلى أمين الجميل إلى جميع رؤساء ما بعد الحرب الأهلية، وصولاً إلى الرئيس ميشال عون الذي أوصلته "العناية الالهية" إلى قصر بعبدا. الجميع كانوا له أصدقاء، مثلما كان لهم مستشاراً برتبة وزير، أو نائب.. يتطلع إلى المنصب الأول الذي كان من نصيبه أكثر من مرة، ولم ينله، وكان من حقه أكثر من مرة، ولم يسترده.

في تلك الملفات والأوراق المبعثرة التي كانت تعلو مكتبه، كان يسكن جان عبيد، لكن كان يرتاح للسرد الشفهي، ويطمئن إلى أن الوقت لم يحن بعد لتحرير الذاكرة الرئاسية، الذاكرة المارونية، التي حفظها عن ظهر قلب، وظل يروي تفاصيل في منتهى الدقة، وفي منتهى الظرافة، عن رؤساء تعاقبوا على ذلك القصر، وتركوا بصمات وعقبات لا تسمح بأن تكون خلافتهم من داخل صندوق الاقتراع السحري، الذي يرفع على الأكف في مجلس النواب ويخرج منه الاسم المحظوظ . كان لدى كل منهم تقدير خاص لذلك المستشار الذكي واللماح واللامع والمطلع والمحبوب من الجميع، لكنه كان لدى كل منهم أمنيته بالموت رئيساً، أو مرشحه الخاص، قريبه، حارسه، صهره..

من أين تبدأ تلك الذاكرة، التي احتفظ بها جان عبيد ولم يحررها: من الحرب الأهلية التي لم يعترف بها يوماً، وظل يتنقل بين المنطقتين، يخوض الحوارات وينقل الرسائل ويحمل النكات المتبادلة بين أمراء الحرب، المحرمة علناً والمتداولة سراً.. ويحرر المخطوفين الذين كان واحداً منهم، وكاد يدفع حياته ثمناً  لتلك التجربة، قبل أن يصبح صديق الخاطف ومرشحه الأوحد للرئاسة، وقبل أن يتحول لسانه السليط، والظريف، إلى سلاح خاص، يتخطى به جميع الحواجز والعقد، ويتحول في بعض الحالات إلى وسيط الجمهورية الأبرز، الذي كان يختصر بعض وساطاته بالقول: "جلست اليوم مع عدد من الزعماء السياسيين الذين يحمل كل واحد منهم برقبته ألف قتيل! تحدثنا عن السلام والمحبة والاخوة والتعايش والوحدة الوطنية. كانت مهمتي في بعض الاحيان أن أحاول إقناع أحد الحضور بأنه هو فعلاً الذي ارتكب هذه المجزرة أو تلك.. لكني لم أفلح دائماً!

لكن تلك الغابة اللبنانية لم تكن الوحيدة التي دخلها جان عبيد، ولم يخرج منها سالماً غانماً. وظل حتى وفاته يفخر بأنه مرشح رئاسي، لم يطلب الرئاسة، بل كانت تستدعيه في الأوقات الحرجة، قبل أن تستبعده العنايات الالهية، وتحرص على بقائه خزان الذاكرة الأهم للرئاسات المارونية طوال خمسة عقود، ولأسرارها وألغازها الأهم، التي لن تروى بعد اليوم، كما يجب، ولن تدخل التاريخ كما تستحق. ثمة غابة أخرى سار فيها جان عبيد طويلاً. فهو كان شاهداً وشريكا في صناعة واحدة من أدق وأصعب مراحل العلاقات اللبنانية السورية. كان يطلب منه أن يكشف عمليات التكاذب المتبادل، بل والتآمر المتبادل على سبيل المثال بين حافظ الاسد وأمين الجميل، ويتوصل، بعقله الراجح، إلى صياغات وسطية تبقي الحدود مفتوحة، والحوارات مستمرة، وعمليات القصف متوقفة. كان يسمع مباشرة المغريات اللبنانية والسورية، بأنه سيكون رئيس المرحلة المقبلة، لكن تلك المكذبة المشتركة لم تكن لتخدع ذلك الرسول العاقل والرصين. مثلما لم تخدعه أي من الأصداء العربية المؤيدة التي كان يتلقاها بنفسه في القاهرة والرياض.. وكان يرد عليها بقوله الأثير: "أفضّل أن أظل مرشحاً على أن أكون رئيساً يخالف إرادة السماء". كما كان يسمع من تلك المجالس العربية، التقدير الكبير المختصر بالعبارة الشهيرة لأحد أصدقائه العرب: "والله، جان عبيد ، بثقافته وتجربته، ينفع مفتي للمسلمين، وبطريرك للمسيحيين، ورئيس للجمهورية، أينما وجد يمكنه أن يتألق".

في تلك الغابة اللبنانية السورية، كان جان عبيد أول مسؤول لبناني يسمع في دمشق تلك الفكرة الجنونية التي خطرت في بال كبار نظام حافظ الأسد في ثمانينات القرن الماضي: "مستقبل المشرق هو في ذلك الحلف العلَوي الماروني اليهودي.. فتلك هي الطبيعة، وذلك هو القدر". هي الفكرة التي سمعها آخرون في العاصمة السورية، وكانت تتردد طويلاً في أكثر من موقع على السواحل الشرقية للبحر المتوسط.. وظلت عائقاً رئيسياً أمام صدور المذكرات الكاملة للماروني الأخير، الذي صعد بالأمس إلى السماء.           


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها