آخر تحديث:07:50(بيروت)
الأحد 21/02/2021
share

فرصة ايران للخروج من النفق

حسن فحص | الأحد 21/02/2021
شارك المقال :
فرصة ايران للخروج من النفق
قد تشكل الزيارة التي يقوم بها مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافايل غروسي الى العاصمة الايرانية طهران يوم الاحد 20 فبراير/شباط 2021، فرصة الساعات الاخيرة التي يقوم بها من اجل اخراج الازمة النووية بين طهران من جهة، وامريكا والدول الاوروبية من جهة اخرى من المأزق الذي وصلت اليه في الايام الاخيرة نتيجة التمسك الامريكي بعدم التعامل الايجابي مع المطلب الايراني برفع العقوبات قبل اعلان عودتها الى الاتفاق النووي والتي تمهد الطريق امام احياء طاولة التفاوض بينهما، وبسبب الخطوات التصعيدية التي لجأت اليها ايران وستلجأ اليها في الايام المقبلة ردا على العقوبات التي فرضها الرئيس الامريكي السابق دونالد ترمب وقرار الانسحاب من الاتفاق النووي.
 

في الشكل يمكن القول أن السلطة الايرانية المركبة من النظام ومؤسسة الدولة استطاعت ايصال رسالة واضحة للمجتمع الدولي والولايات المتحدة تحديدا بأهمية ما تم التوصل اليه عام 2015 في التوقيع على الاتفاق النووي، وان عدم وجوده او التنصل منه كما فعلت ادارة ترمب يعيد الى الواجهة مسألة التهديد النووي للاستقرار العالمي، وامكانية ان يطلق سباق تسلح غير تقليدي في منطقة الشرق الاوسط قد لا يكون من السهل السيطرة عليه وضبطه، فضلا عن امكانية ان يتسبب في اشعال حروب مدمرة ومستنزفة لا احد يرغب في حصولها او الوصول اليها. وقد تزداد  نسبة هذا التحدي وهذه المخاوف في حال قامت طهران بتفعيل الخطوة الاولى من القانون الذي اقره البرلمان في نوفمبر 2020 تحت عنوان "الاجراءات الاستراتيجية لالغاء العقوبات" التي تدخل حيز التنفيذ يوم الاحد 21 شباط/ فبراير والتي تتضمن وقف تنفيذ البرتوكول الاضافي للتفتيش المباغت، وزيادة اجهزة الطرد المركزي في منشأتي نطنز وفردو باستخدام جيلين جديدين ومتطورين من نوع IR2m وIR6 التي تسمح لها بتسريع عمليات التخصيب بنسبة 20 في المئة وما فوق، الى جانب انتاج معدن اليورانيوم الذي يصب علميا في مسار التصنيع العسكري.

في المضمون، اتخذت الادارة الامريكية خطوات واضحة في ترجمة الوعود الانتخابية للرئيس جوزيف بايدن في ما يتعلق بالاتفاق النووي وفتح باب الحوار مع طهران حول ملفي البرنامج الصاروخي والنفوذ الاقليمي. وقد صدرت عنها مؤشرات واضحة في هذا الاطار في الايام الاخيرة تتلخص في الموقف الذي اعلنته المتحدثة باسم الخارجية عن نية واشنطن المشاركة في الاجتماع غير الرسمي لمجموعة 5+1 التي يحاول مفوض السياسات الخارجية في الاتحاد الاوروبي فيليب بوريل ترتيبها في الايام المقبلة. وثم في القرار الذي اعلنه مساعد المندوبة الامريكية في الامم المتحدة ريتشارد ميلز بسحب الطلب الذي سبق ان تقدمت به ادارة ترمب لتفعيل الالية الذاتية (Snap Back) للعقوبات الدولية ضد ايران التي نص عليها قرار مجلس الامن رقم 2231. وتوّجها خطاب الرئيس بايدن في مؤتمر موينخ للامن الذي اعلن فيه استعداد بلاده للعودة الى الاتفاق النووي وتفعيل عمل السداسية الدولية والتعاون مع الشريك الاوروبي لضبط النفوذ الايراني في الاقليم.

هذه المؤشرات الامريكية الايجابية لتمهيد الطريق لاحياء الحوار حول الاتفاق النووي وترميم المسار الذي ضربه الرئيس السابق ترمب، وان كانت طهران قد تعاطت معه بشيء من "نشوة الانتصار" كشفتها المواقف التي صدرت عن عدد من المسؤولين والتأكيد على التمسك بمطلب رفع العقوبات قبل العودة الى اي حوار، الا انها ومن خلال الموقف الدبلوماسي لم تبدِ سلبية من امكانية العودة الى الحوار في اطار غير رسمي مع السداسية. بالاضافة الى الرسالة الواضحة التي وجهها الرئيس حسن روحاني حول العقيدة العسكرية للنظام الايراني التي لا يدخل فيها السلاح النووي ولن يدخل فيها مستقبلا، وهو موقف عززة التأنيب الذي وجهه لوزير الامن محمود علوي الذي سبق له في الاسبوع الماضي التلميح الى امكانية التراجع عن فتوى تحريم امتلاك واستخدام وحيازة اسلحة الدمار الشامل والنووية التي اصدرها ولي الفقيه مرشد النظام السيد علي خامنئي والتي اعتبرها الرئيس الامريكي الاسبق باراك اوباما الاساس الذي يمكن البناء عليه في بناء ثقة مع طهران والسير بالعملية التفاوضية وصولا الى الاتفاق.

بغض النظر الدائر بين واشنطن وطهران حول طبيعة الخطوة الاولى للتقارب وتفكيك عقد العودة الى طاولة المفاوضات، فان الخطوات التي قامت بها ادارة بايدن في ما يتعلق بالاتفاق النووي وبعض الملفات الاقليمية، والاشارة التي جاءت في كلام بايدن في مؤتمر ميونخ حول اقتصار العمل على البرنامج النووي والنفوذ الاقليمي من دون الاشارة الى البرنامج الصاروخي، يضع الطرف الايراني امام ضرورة الاستجابة لقواعد المصلحة السياسية والدبلوماسية، بان تعمل على ملاقاة الايجابية الامريكية بايجابية مماثلة، لانه من الصعوبة عليها الحاق هزيمة بالادارة الامريكية، كما ان اتباع هذا المسار قد يؤدي بها الى خسارة كل ما استطاعت تحقيقه خلال العقود الماضية، وقد يدفع الادارة الامريكية الى الذهاب لمواقف اكثر تشددا او حتى نسف اي مسار تفاوضي وحواري مع طهران، وبالتالي يكون النظام الايراني قد خسر في الاستراتيجيا ما حققه من مكاسب في التكتيك. واذا ما ارادت طهران استثمار الايجابيات الامريكية واعادة التوازن لمعادلة (رابح – رابح) فمن المتوقع ان تفسح المجال امام الدبلوماسية لفتح قنوات التفاهم، من خلال الاستجابة للدعوات المطالبة بعدم تنفيذ خطوة الحد من عمل مفتشي الوكالة الدولية ورفع مستويات التخصيب، خاصة وان الاجواء المتعلقة بالعقوبات تتجه الى تقليص التشدد الامريكي في التعاملات الدولية التجارية مع ايران في مختلف المستويات خصوصا في القطاع النفطي والتعاملات المالية وازمة الاموال المجمدة في الخارج، بالاضافة الى ما بدأ يتبلور من جهود امريكية لانهاء عدد من الملفات الاقليمية المتفجرة والتي تصب في اطار بشكل من الاشكال لصالح حلفاء ايران، الى جانب ان البحث حول البرنامج الصاروخي يبدو انه يتجه الى التفاوض حول تمديد مهل التطوير من ضمن الآليات التي لحظها الاتفاق النووي مع تقديم طهران ضمانات تتعلق بأمن حلفاء واشنطن في الاقليم.

فهل ستستغل طهران هذه  المؤشرات الايجابية بخطوات مقابلة تساعد على فتح الطريق للعودة الى الحوار من دون ان يكون هناك تنازلات قاسية لكلا الطرفين، ام انها ستغامر في التمسك بشروطها وبالتالي تذهب الى خيار اقل ما يقال فيه انه يدخل في اطار الانتحار السياسي والاستراتيجي، خاصة وان واشنطن، عندها، ستذهب الى مزيد من التشدد والمواقف المفتوحة على جميع الخيارات؟


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها