آخر تحديث:12:02(بيروت)
الأحد 14/02/2021
share

هل ينجح مسار"المجلس العسكري"؟

حازم نهار | الأحد 14/02/2021
شارك المقال :
هل ينجح مسار"المجلس العسكري"؟
تعدّ العلاقة بين المدني والعسكري موضوعًا ذا أهمية خاصة في بلدان المنطقة، خصوصًا ما بعد عام 2010، بحكم ما كان لهذه العلاقة من دور رئيس في تحديد طبيعة الانتقال السياسي بعد الثورات والتحكم فيه. في سورية، عادت مؤخرًا فكرة تشكيل مجلس عسكري سوري إلى السطح، بعد وصول "اللجنة الدستورية" إلى طريق مسدود، وهي كفكرة ليست نافلة أو مستنكرة، لكن المشكلة تكمن في عقلنا التجريبي؛ فشل المسار السياسي فلنجرب العسكري، وفي عقلنا الإحلالي؛ نتعامل مع الأفكار والمسارات وكأن كلًا منها يطرد الأفكار والمسارات الأخرى، مع أن الأفكار والمسارات كلها يمكن أن تتعايش معًا، بل ويمكن أن تتكامل.

في الحقيقة، إن غياب هذا المسار طوال المدة الماضية هو الذي يشير فعلًا إلى وجود مشكلة، أو إلى عدم جدية الدول في إيجاد حل للوضع السوري؛ ففي سورية، تشكل عملية إعادة بناء الجيش جزءًا مركزيًا من إعادة بناء الدولة، وأي حل لا تكون فيه إعادة بناء الجيش والأجهزة الأمنية في مركزه لا يعتد به، وسيبقى حبرًا على ورق. لذلك، فإن المجلس العسكري، وفق الصيغة النظرية المطروحة، هو أداة عملية لضمان تنفيذ القرار 2254، وحماية المرحلة الانتقالية، وإخراج الجيوش الأجنبية، وضمان سلامة الأرض السورية، وليس مشروع حكم عسكري، لكن يبقى السؤال المهم هو هل يمكن تشكيل مجلس عسكري فعلًا، وفي حال تشكيله هل يستطيع إنجاز هذه المهمات؟

لقد أثارت الفكرة، المجلس العسكري والمسار العسكري، حفيظة البعض، بما أطلقوا عليه العودة إلى "هيمنة العسكر على السياسة". في الحقيقة، هناك مشكلة كبيرة عندما تهيمن الشعارات والمقولات على العقل السياسي؛ فالمعترضون يتعاملون مع الفكرة وكأن السياسة بألف خير، وجاء العسكر أخيرًا ليسيطروا عليها، ويزيحوا السياسيين. آثار العسكر على السياسة والحياة المدنية معروفة، لكن في الحالة السورية، هذا الأمر يشبه من يعطي المورفين لمريض السرطان؛ المورفين خطر، لكن السرطان أخطر. المجلس العسكري قد يكون خطرًا، لكن حال سورية اليوم أخطر كثيرًا، لذلك لا ينبغي للاعتراض على المجلس العسكري أن يأتي من هذه الزاوية.

لعل أحد أسباب استمرار العسكر في التأثير هو انقسام النخب والقوى السياسية، وعدم وجود إجماع وطني على إخراج الجيش من السياسة، وعدم وجود بديل سياسي وطني يُعتمد عليه، فالجيش لا ينسحب في حال كان البديل السياسي هشًا. وعادة ما تتأثر علاقة العسكري بالسياسي، خلال المرحلة الانتقالية، بعدد من العوامل؛ شرعية وقوة الحكم السياسي، درجة توافق القوى السياسية على مسألة إبعاد العسكر عن السياسة، طريقة إزاحة العسكر عن السياسة من حيث كونها سريعة أم تدريجية، وجود تهديدات وأخطار خارجية جدية، علاقات القيادات العسكرية بالدول الإقليمية والكبرى، حالة الجيش من الداخل من حيث توحده أو انقسامه، فاعلية أو عدم فاعلية قنوات الحوار بين السياسيين والعسكريين. لذلك، فإن أهم مسألة ينبغي التركيز عليها، تفكيرًا وعملًا، في المرحلة الانتقالية، هي إيجاد بديل سياسي وطني ديمقراطي قادر على استلام السلطة من العسكر، وليس الدخول في صراع معهم. 

من حيث الرأي والموقف، أهلًا بالعسكر في هذه اللحظة، ولمدة محددة، إن كانوا يستطيعون فعلًا إخراج سورية من مأزقها، لكن من حيث التحليل وقراءة المستقبل أقول لن تبصر فكرة تشكيل مجلس عسكري النور أيضًا؛ لن يُشكَّل أصلًا. فكل الطرق، السياسية والعسكرية، تبدأ وتنتهي بعقدة رأس النظام؛ توهّم بعضنا أن "اللجنة الدستورية" ستحل هذه العقدة أو تقفز فوقها، واليوم يتوهم بعضنا أيضًا أن "المجلس العسكري" سيحلها بعد جمود الدستورية. كل الطرق تؤدي إلى روما، وروما هنا هي رأس النظام. ما دامت هذه النقطة من دون حلٍّ أو توافق حولها، دولي وداخلي، ستكون الطرق الأخرى كلها مغلقة، ولن تكون أكثر من لعبة يتسلّى بها الدبلوماسيون والمعارضون والعاملون في أروقة الأمم المتحدة. حل هذه العقدة أو التوافق حولها شرط لازم، لكنه غير كافٍ بالطبع.

هناك عوامل وعناصر عديدة ستؤدي إلى فشل عملية تشكيل المجلس العسكري؛ سيُشكَّل المجلس بتدخلات دولية متضاربة ويفني بعضها بعضًا، هناك قوى داخل النظام السياسي السوري ستدمر أي سعي في هذا الاتجاه، القيادات العسكرية المعارضة لا توازي شخصيات النظام في القوة والدور والتأثير، القوى داخل الجيش مشتتة ومقسمة طائفيًا بعد عقد من الصراع، وجود قوى عسكرية داخل الجيش وعلى جوانبه ليس لديها مصلحة في تشكيل مجلس عسكري وإعادة بناء الجيش، وجود قوى عسكرية موالية ومعارضة على هيئة ميليشيات خارج الجيش... إلخ. لذلك إذا قالت لكم دولة ما إنها موافقة على تشكيل مجلس عسكري، فلا تصدقوها.

إن إعادة تشكيل جيش وطني موحّد ستكون رهينة صراعات أساسية بين القوى السياسية والاجتماعية المختلفة من جهة، وفي ما بين الدول الإقليمية والعالمية من جهة ثانية. إسرائيل مثلًا، تريد جيشًا صغيرًا قادرًا على ضبط الحدود، ويبتعد من دعم حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي، وتركيا تريد جيشًا قادرًا على الوقوف في وجه القوى الكردية المسلحة في شمال سورية، وسترغب في الوقت ذاته في إدماج بعض القوى العسكرية المعارضة الموالية لها في الجيش السوري، وإيران ترغب في أن يكون الجيش أقرب إلى ميليشيا تحركه عندما تريد أو تدمج فيه ميليشياتها وعناصرها.

عندما يُسأل السؤال المنطقي: من الذي سيشكِّل المجلس العسكري؟ سيكون الجواب المنطقي: التوافق بين الأطراف الإقليمية والدولية، والسورية. إذا اشتُرط التوافق على أسماء المجلس العسكري، ربما لن نجد سوى حفنة من الأسماء التي ستحظى بالتوافق، لكنها غير مؤثرة، وغير قادرة على أداء أي دور، وإذا وُضع شرط عدم ارتكاب الجرائم والفساد عند اختيار شخصيات المجلس العسكري، فستضيق الدائرة جدًا.

بعد الثورة السورية، حدثت انشقاقات على الجيش في أماكن ومستويات مختلفة، لكن لم تحدث حالة انشقاق واحدة لكتيبة أو سرية أو لواء أو فرقة عسكرية بكاملها، فهذه الخطوة تحتاج إلى تضافر وتعاون ضباط من رتب مختلفة، فيما الواقع يقول إن قطاع الضباط بقي في معظمه إلى جانب النظام، ولا تكفي المقاربات والتحليلات الطائفية لتركيبة الجيش لتفسير هذه النقطة. في المرحلة الانتقالية، لا بدّ من توفير ضمانات حقيقية تطمئن الجيش، وتوفر حدًا مقبولًا من العيش لأفراده، ورسائل تؤكد على تبديد مخاوفهم من أن يكونوا ضحايا أي تغيير سياسي، وتوفير ما يلزم لدعم احترافية المؤسسة العسكرية، ويشجعها على التركيز على مهماتها الرئيسية، وإلى جانب ذلك، لا يكتمل هذا التوجه من دون تقوية قوات الشرطة لتحل محل الجيش في حفظ الأمن الداخلي، وسيكون ناقصًا أيضًا من دون بناء سلك قضائي نزيه وعادل أيضًا. ما أقصده هو أن المسارات كلها مرتبطة ببعضها بعضًا، ولا يتوقع النجاح لأي منها بمعزل عن الأخريات.

بعد الثورات، سرعان ما خرج السياسيون والمدنيون والناشطون من الساحة فعليًا، بحكم غياب التنظيمات القوية، الأحزاب والمنظمات المدنية، وغياب شبكات اجتماعية فعلية. يتمثل العنصر الحاسم اليوم بضرورة التفكير الجدي في ملء الفراغ السياسي، فلكي نخرج من الصراع الدائر، ومن الصراع السياسي العسكري، والصراع بين الإسلام السياسي والعسكر، لا بدّ من بناء البديل السياسي القوي، وهذا يحتاج أولًا وأخيرًا إلى قوى سياسية وطنية ديمقراطية قوية، علمانية وإسلامية، تعتمد مفهوم الدولة الوظيفية والمحايدة عنصرًا جامعًا في الخطاب والأداء السياسيين. هنا مربط الفرس، وضمانة المستقبل.

كل المسارات المطروحة علينا مسدودة، الدستورية والسياسية والعسكرية، ولا يمكن فعل شيء بشأنها إلى حين حدوث اتفاق دولي إقليمي. هل نستسلم؟ لا، لنتعامل مع هذه المسارات بوصفها لعبة لا أكثر، تمامًا كما يتعامل النظام معها، لكن في المقابل ينبغي عدم وضع البيض كله في سلة هذه المسارات. البيض، كل البيض، ينبغي أن يوضع في سلة بناء قوى سياسية جديدة، فهذا وحده الأجدى والأبقى، من أجل سورية ومن أجلنا.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها