آخر تحديث:06:34(بيروت)
السبت 06/11/2021
share

أحجية العملية التركية

بسام مقداد | السبت 06/11/2021
شارك المقال :
أحجية العملية التركية

العملية التركية في الشمال السوري التي يكثر الحديث عنها في الأسابيع الأخيرة، والتي شاع بأنها كانت ستنطلق الثلاثاء المنصرم في 2 من الشهر الجاري، تحولت إلى أحجية بين التهديد التركي بها وحقيقة وقوعها. وفي حين أعلن سياسيون أكراد لمواقع إعلامية روسية بأن العملية تحتاج إلى جواز مرور أميركي روسي ليس متوفراً، كانت روسيا تتصرف وكأن العملية التركية واقعة فعلاً. ففي جميع الأحوال تستثمر روسيا في التهديدات التركية بالعملية العسكرية لتعزيز موقفها في دعم إستعدادات الأسد العسكرية لشن هجوم واسع على إدلب واستعادة سلطته عليها. كما تستفيد منها كحجة لإرسال المزيد من الطائرات الحربية إلى قاعدتها في القامشلي التي تستخدمها للمرة الأولى.

 فقد نقل موقع إعلامي روسي عن Avia.ro المتخصصة بشؤون الطيران أن روسيا عززت طيرانها الحربي في سوريا بأكثر من 20 طائرة مقاتلة من طراز ميغ وسوخوي ومروحيتين هجوميتين وصلت عبر العراق وإيران، سوف تستخدم "ضد "المقاتلين الأتراك والإرهابيين".

ويضيف الموقع الروسي بأنه، إضافة إلى المجابهة مع تركيا، فقد أُرسل هذا العدد الكبير من الطائرات الحربية المقاتلة لتنفيذ المهمة الرئيسية في "تحرير" إدلب والمناطق الأخرى، مما يؤكد الإعداد لعملية عسكرية واسعة. ويتوقع الموقع بأن القوات التركية لن تهاجم الأكراد فقط، بل والقوات الروسية أيضاً، لأنها تعتبر بأنها هي التي تعرقل قيامها بعملياتها العسكرية. 

من جانب آخر، نقلت مواقع إعلامية روسية عن سياسيين أكراد سوريين نفيهم لحصول عملية عسكرية تركية، واعتبروا أن الحشود العسكرية التركية هي من باب المناورات التي اعتادت تركيا على القيام بها. فقد نقلت نوفوستي في 2 من الشهر الجاري عن عضو اللجنة السياسية في الحزب الديموقراطي الكردي الموحد هبات محمد قوله بأن اية عملية عسكرية واسعة تتطلب موافقة روسيا والولايات المتحدة والتنسيق معهما، الأمر الذي "ليس متوفراً كما نرى". ويضيف السياسي الكردي بأن الوضع اليوم يختلف كثيراً عما كان عليه قبل سنوات، حين تمكنت القوات التركية من إحتلال جزء من الأراضي في شمال غرب سوريا "بالإضافة إلى تلك المحاولات الفاشلة، عندما حاولت تركيا تحقيق أهدافها من خلال استقطاب الجماعات المتطرفة التي لها اتصالات مع تنظيم الدولة الإسلامية".

وتنقل الوكالة عن "سانا" السورية تأكيدها للحشود العسكرية التركية، وتقول بأن مصدراً في المعارضة السورية أكد لها بأن تركيا تعد لعمليتين عسكريتين في وقت واحد، وتحشد التشكيلات المسلحة الموالية لها على الإتجاهات الرئيسية للضربة.

لكن نوفوستي نشرت في اليوم عينه لمستشرق روسي راياً يتحدث عن "إحتمال كبير جداً" في وقوع العملية في وقت قريب. لكنه يرى أن الإحتمال، صحيح أنه كبير جداً، لكن السؤال يبقى في القدرة على التنفيذ. فقد كان أردوغان ينشط في الإستعداد لهذه العملية خلال الشهر المنصرم، وكانت الحشود العسكرية علنية ومرئية من الجميع. واعتبر ان الوقت قد حان لتحقق دمشق رغبتها في إستعادة سيادتها على جميع المناطق المتبقية من سوريا، وهذا يتعارض كلياً مع مخططات أردوغان الذي يقاوم رغبة دمشق. وقال نحن عشية إجراءات محتملة للغاية من جانب تركيا لتعزيز مواقعها، في الوقت الذي تكثف فيه دمشق نشاطها العسكري في المنطقة. وأشار إلى أن العملية التركية التالية قد تبدأ، ولا يستبعد بأن يكون الرئيس التركي "يلعب لعبة "استعراض العضلات"، حيث ستحشد تركيا بضع عشرات من الدبابات في المنطقة، و"سيرتجف الجميع". ورأى أنه بعد ذلك، سوف تفعل المفاوضات في تقاسم النفوذ في المناطق الشمالية الشرقية من سوريا. ويحذر المستشرق من أن أي طلقة متهورة في هذا الوضع المتوتر، ستكون كافية لإندلاع صراع واسع النطاق.

على الرغم من كل ما تنشره المواقع الإعلامية الروسية من تأكيد على إمكانية حصول العملية العسكرية التركية، ينفرد سياسيون أكراد سوريون بنفي مثل هذه الإمكانية نفياً شبه قاطع، ويؤكدون أنها تهويل إعتادت تركيا على ممارسته. فقد نشرت صحيفة Kommersant الشهر المنصرم مقابلة مع رئيس قسم العلاقات الخارجية في المجلس الكردي الوطني كاميران حاجو أثناء زيارته لموسكو. في رده على سؤال الصحيفة حول إمكانية حصول العملية التركية، قال المسؤول الكردي بأنه لا يعتقد أـن تركيا سوف تقدم على أي أمر دون الحصول على ضوء أخضر اميركي. وأشار إلى أنه طرح السؤال عينه على نائب مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط إيتان غولدريتش حين كان يشارك في أعمال اللجنة الدستورية السورية في جنيف، فأجابه بأن الولايات المتحدة لا تشجع على أية عملية عسكرية. وقال بأن لقاء بايدن إردوغان قد يحسم في هذه المسألة، فالإقدام على عملية عسكرية من دون موافقة الولايات المتحدة "ليس بالأمر البسيط". وهو شخصياً لا يتصور بأن شيئاً ما سيحدث، لكنه لا يأخذ على عاتقه توقع ما ستفعله تركيا. وإذا ما أقدم الرئيس أردوغان على ذلك، فعليه أن يأخذ بالإعتبار جميع المخاطر، إذ انها ستكون مسؤوليته الشخصية. ويرى أن الوضع الاقتصادي في تركيا صعب للغاية، وقد يخسر حزب اردوغان قسماً من الأصوات في الإنتخابات القادمة.

لكن الصحيفة تصر على أن حشد القوات ودعم المعارضة المسلحة يبدو كإستعداد لعملية عسكرية، فيرد كاميران بأن لا شيئ جديداً في ذلك، ومثل هذه الإستعدادات تجري باستمرار، وكذلك تبادل  الضربات. 

وعن تقويمه للوضع ككل في الشمال السوري، قال بأنه لا يفصل بين الشمال وبقية المناطق السورية، حيث الوضع شديد الصعوبة "ولا أقصد من الناحية العسكرية". فالسوريون يعانون، وليس من أمل بحل سياسي في الفترة القريبة. ويرى أن الحل السياسي للقضية السورية هو بيد اللجنة الدستورية "التي لم تحرز أي تقدم في عملها".

وبعد حديث طويل للصحيفة عن وضع الأكراد في سوريا، وعن عمل اللجنة الدستورية ووعد الأسد للروس بأن يكون إيجابياً قبل الجولة الأخيرة للجنة، يقول كاميران بان الولايات المتحدة سترحل عن سوريا عاجلا أم آجلاً، لكن روسيا باقية فيها. 

المستشرق ومدير مركز "دراسة تركيا الجديدة" الروسي يوري مافاشيف، وفي إطلالته الأولى في "المدن"، قال بأنه يوافق كاميران حاجو على رأيه، سيما أن مصادره التي لم يحددها تؤكد أن أردوغان لا يستطيع أن يقدم على عمل في منطقة العملية المفترضة، من دون الإلتفات إلى الولايات المتحدة وروسيا. وفي الوقت عينه، فإن موقف موسكو هو أن السلطات التركية نفسها لم تف بعد بالتزاماتها في إدلب، حيث لا يزال "الإرهابيون" يشعرون بالحرية في إدلب، وفي ظل هذه الظروف، لا يستطيع الروس حتى التحدث عن أية اتفاقيات مع الأتراك. ويرى بأن لهذا البطء والتردد في العملية التركية أسبابه العسكرية أيضاً، لكن "ليس لدي الحق في الكشف عنها بعد"

ويقول مافاشيف بأنه، ومنذ منتصف الشهر المنصرم، كان يمكن أن يتولد إنطباع بان العملية العسكرية التركية يمكن أن تبدأ في أية لحظة. وهذا بالضبط ما كان يمكن إستنتاجه من محتوى المنشورات التي رمت بها في 18 الشهر المنصرم طائرة مسيرة تركية فوق مدينة تل رفعت، معقل وحدات الدفاع الذاتي الكردية YPG المعادية لأنقرة، وتعتبرها تركيا فرعاً لحزب العمال الكردستاني الإرهابي برأيها. ويعتبر المستشرق أن التلويح بالعملية العسكرية هو، على الأرجح، محاولة من تركيا للضغط على روسيا والولايات المتحدة للوفاء بالتزاماتها بشأن القضية الكردية. ويقول بأن الرئيس أردوغان إنخرط في ألعاب إقليمية لا يملك الأتراك الإمكانيات للمضي فيها إلى نهاياتها. فهم لا يملكون الإمكانيات الكافية للسيطرة على جنوب القفقاز والشرق الأوسط، لكنهم يرغبون بالتأكيد في خلق مثل هذا الإنطباع عن أنفسهم وعن سياساتهم.





شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها