آخر تحديث:12:31(بيروت)
الأربعاء 24/11/2021
share

عودة حمدوك ومحدودية التكنوقراطي

شادي لويس | الأربعاء 24/11/2021
شارك المقال :
عودة حمدوك ومحدودية التكنوقراطي من تظاهرات الخرطوم (غيتي)

مر ما يقرب من الشهر منذ انقلاب الجيش في السودان على مسار المرحلة الانتقالي. ورغم حملة الاعتقالات التي طاولت عدداً من قيادات تحالف قوى الحرية والتغيير، وقطع الأنترنت والاتصالات بالتوازي، فإن الاحتجاجات الدورية في الشوارع وعمليات الإضراب الواسع في عدد من القطاعات، اكتسبت زخماً لافتاً ومؤثراً. فلجان الأحياء التي ميزت الانتفاضة السودانية منذ بداياتها، وكذا النقابات المستقلة، كونها تنظيمات قاعدية ومرنة ذات شبكات منتشرة جهوياً وبشكل عابر للطبقات، أتاحت مساحة واسعة للحركة، مع حصار هياكل التمثيل السياسي العليا وغياب قياداتها. أما قطع الاتصالات، فكان متوقعاً، وتجاوزته لجان الأحياء مرة أخرى، عبر التنسيق المحلي ونقل الرسائل والقرارات والأخبار بالاعتماد على العلاقات المباشرة، من يد إلى يد ومن حي إلى آخر.

في هذا، كانت موجات الانتفاضة السودانية المتتابعة قلباً لهرم الحتمية التقنية، فبعد خفوت الحماس لتحريرية الرقمي، الممكن محوه كاملاً بكبسة زر، عادت وسائل الحشد والتنظيم المباشرة والشخصية، بشكلها الأكثر تقليدية، كبديل أكثر نجاعة بل وكبديل وحيد أيضاً.

كان من شأن الاحتجاجات الداخلية، وضغوط الخارج، وبالأخص تعليق المؤسسات المالية الدولية لمساعدتها للسودان، أن تدفع القيادات العسكرية إلى التراجع ولو قليلاً. إلا أن خروج حمدوك من إقامته الجبرية لتشكيل حكومة تكنوقراط، لم يكن في الحقيقة تراجعاً، إن كان التراجع ممكناً في الأساس. يوقع حمدوك اتفاقاً جديداً مع العسكر، وهو ليس الاتفاق الأول بينه وبينهم. ببساطة، يغير الجيش شركاءه المدنيين وينتقي ما يناسبه. فبدلاً من قوى الحرية والتغيير التي تم إقصاؤها من الاتفاق، يختار حمدوك غير المفوض من أحد. ينص الاتفاق الأخير على استعادة المسار الديموقراطي، لكنه يشير ضمناً إلى إلغاء الاتفاق المؤسس لهذا المسار، فهو ينص على مراجعة بنوده بغية تضمين جميع الأطراف السودانية.

بلا تردد، ترفض قوى الحرية التغيير اتفاق حمدوك، وتعتبره ترسيخاً للانقلاب. إلا أن رئيس الوزراء العائد، يتذرع بحقن الدماء، لكن الدماء قد سفكت بالفعل، أكثر من أربعين قتيلاً سقطوا منذ انقلاب الجيش. ويعود حمدوك مرة أخرى لتبرير اتفاقه، بالحفاظ على المكتسبات الاقتصادية وجذب الاستثمارات الأجنبية. ولا يبدو الخطاب الهزيل لحمدوك صادماًً ولا مفاجئاً. فككل الثورات العربية التي سبقتها، واجهت الثورة السودانية معضلة المطالب ومخاوف التفتت.

وكما كان شعار "تسقط بس" اتفاقاً على المطلب المشترك، ففي اتساعه كمنت محدوديته، فالإجماع كان يعني تفريغ نفسه من المعنى. جاء اتفاق العسكريين مع قوى الثورة، بحكومة منزوعة السياسة، وجُلب حمدوك بوصفه "خبيراً". وما تم على مستوى الحكومة، كان قد جرى على مستوى النشاط القاعدي أيضاً. فلضمان تماسك لجان الأحياء، وعدم سقوطها على خطوط الصراعات الداخلية، كان يجب تحييد الحزبي والانتماءات الأيديولوجية، وبشكل ضمني تم الفصل التعسفي بين ما هو سياسي وما هو ثوري. هكذا، غدت المهمة الوحيدة الممكنة للعمل القاعدي، هي الاحتجاج، فأي مطلب يتجاوز "سقوط النظام" أو إدارة ما بعد السقوط، ربما يقع في فخ الأيديولوجيا.

الهروب من الأيديولوجيا، يعني قبولاً بنوع آخر منها، لكن مع الإنكار، صورة منها أكثر تخفياً وضمنية، أي أكثر أدلجة. يعود حمدوك، خبير الاقتصاد والموظف الدولي السابق، ليمارس ما يتقنه، أي تنفيذ برامج مؤسسات التمويل الدولية. على الأغلب، كانت حكومة التكنوقراط ستنفذ البرنامج نفسه في ظل المسار الديموقراطي أو الحكم العسكري، أو ربما مع اختلافات هامشية. فالأجندة النيوليبرالية شبه الموحّدة للمؤسسات الدولية تُقدَّم على إنها الخيار الوحيد والطبيعي، خصوصاً في ظل شعارات نزع التسييس وتسليم الأمور للخبراء.

تواجه الثورة السودانية تحديات وجودية، لكن الأمل في تجاوزها ربما يكمن في القبول بمخاطرة تسييس الحراك، أي تسييس لجان الأحياء والنقابات، وتحويل مهمتها من مجرد التنسيق الاحتجاجي، إلى إفراز برنامجها السياسي الخاص وهيئتها التمثيلية المباشرة، القادرة ليس على التفاوض وحده، بل بالأحرى على المشاركة في إدارة أي مرحلة انتقالية مقبلة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

شادي لويس

شادي لويس

كاتب وباحث مصري