آخر تحديث:08:38(بيروت)
الإثنين 15/11/2021
share

"الحزب" و"القوات"..كمرجعين لإيران والسعودية

ساطع نور الدين | الإثنين 15/11/2021
شارك المقال :
"الحزب" و"القوات"..كمرجعين لإيران والسعودية

لا أحد في لبنان يتلقى أوامر إيران أو السعودية، وينفذها. حلفاء البلدين هم اليوم على درجة عالية من العلم والاجتهاد بحيث باتوا مراجع ثقة وتقليد، يتمتعون بهامش واسع من حرية الحركة، وبتفويض كامل من مصادر القرار-الفتوى، وبقدرة على المناورة تفوق ما كان لدى حلفاء آخرين للجمهورية الاسلامية او للمملكة الاسلامية، أو لدى حلفاء دول أقليمية أخرى، أنتجتهم "الساحة" اللبنانية على مدى عقود من الانهيار.

 منذ زمن بعيد، شاع في بيروت، كلام وهمس في الوسط السياسي، يفيد أن القيادة الايرانية تركت أمور لبنان وتفاصيله، لحليفها الاقوى حزب الله، وبالتحديد لأمينه العام السيد حسن نصر الله. هو المقرر، والمبادر، والمنفذ، حتى من دون الرجوع الى طهران، لا في الكبائر ولا في الصغائر. هو مرجع التقليد السياسي الأعلى.. حتى ولو خالف سلوكه وخياره في شأن محلي ما ، الموقف الرسمي الايراني المعلن. ومثال ذلك ما كشف في أعقاب حرب تموز/يوليو مع العدو الاسرائيلي العام 2006، من نقاش داخل القيادة الايرانية، علت خلاله أصوات تحمّل الحزب مسؤولية إفتعال الحرب. أما المثال الاهم، فهو أن قرار الحزب ونصر الله تحديداً كان سابقاً وحاسماً في بلورة القرار الايراني الرسمي بالتورط في الحرب السورية دفاعاً عن نظام بشار الاسد. لا أدلة حتى الآن تدعم الافتراض أن هذا الإجتهاد إنسحب على حرب اليمن.

أربعون سنة أو أكثر، من الالتزامات والشراكات والتعهدات، صقلت تجربة الحزب ونسجت علاقة فريدة جداً، ووثيقة جداً بين الحزب وبين القيادة الايرانية، وكانت كافية لتخطي الكثير من المصاعب والمتاعب والتحديات المتبادلة. لم تعد طهران بحاجة الى التدخل المباشر في لبنان. صار القرار اللبناني-الايراني بيد الحزب وأمينه العام ومسؤوليته وحده، وبات هو الممر الاجباري الوحيد لإيران الى الداخل اللبناني، بمختلف شؤونه وشجونه.

وعندما ينفي نصرالله زعم الإحتلال أو التدخل الإيراني، خارج قناة الحزب، فهو يعني ما يقول، ويقصد أن من يريد أمراً من طهران بات عليه أن يعود إليه شخصياً، ويلمح الى القيادة الايرانية، لا تعرف، مجرد المعرفة، تفاصيل "الساحة" اللبنانية بأحزابها ورموزها وشخصياتها، إلا بما يوصي به الحزب، وبما يتحول فوراً الى قرار رسمي إيراني، مع ما يقتضيه ذلك من إلتزامات سياسية ومالية وحتى إجتماعية.

الامر مختلف بعض الشيء، بين السعودية التي لم تترك يوماً لحلفائها اللبنانيين حرية الحركة والاجتهاد والقرار على هذا المستوى. ربما لأنها لم تكن يوماً موفقة أو محظوظة بهؤلاء الحلفاء، الذين إستقر بهم الحال عند حزب "القوات اللبنانية"، بوصفه الحليف الاقوى والاوثق والاقرب في التعبير عن موقف الرياض وخيارها اللبناني. بعدما تساقط الكثيرون من اللبنانيين على الخطوط المؤدية الى العاصمة السعودية، لأسباب لم تكن كلها لبنانية، ولا يجوز أن تنسب فقط الى السلوك اللبناني المألوف.

الاعتبار الديني عائق أكيد أمام نمو هذه العلاقة الثنائية الى مستوى العلاقة بين حزب الله وإيران. لكن "الواقعية السياسية"، تملي على "القوات" والرياض تطوير حلف لم يسبق له مثيل في التاريخ اللبناني والسعودي، إكتسب في العقدين الماضيين زخماً قوياً، حتى شارف اليوم على منافسة الحلف المضاد ، والمقدس، الذي صاغته طهران مع حليفها اللبناني القوي.. والذي يمكن ان يؤدي في مرحلة لاحقة الى إحتكار "القوات"لقنوات التواصل اللبناني مع القيادة السعودية، والى تحول معراب الى مركز للفقه والتقليد اللبناني_السعودي.

هذا الحلف أعفى "القوات"الى حد بعيد من عبء الاستعلام والاستفهام من الرياض، وحرر قرارها الداخلي من الاملاءات السعودية، كما حرر الجانب السعودي من أعباء الاجتهاد في الشأن اللبناني، وحتى من البحث عن عناوين أخرى للتحالف، من دون الرجوع الى معراب أو على الاقل الاستئناس برأيها ونصيحتها.

لم يعد أحد في لبنان يتلقى الأوامر من الخارج. حصرية تمثيل الحزب والقوات، لإيران والسعودية، وقدرتهما على الاجتهاد، تثير الاعجاب فعلا، بإعتبارها دليلاً إضافياً على "نجاحات" التجربة اللبنانية في الخارج. أما أكلاف هذه النجاحات وعوائدها، فذلك شأن آخر، يتطلب الكثير من التدقيق.. لكنه يؤدي الى إستنتاج عفوي وبسيط، مفاده أنه لا مخرج للبنان من أزماته الراهنة، من دون مصالحة بين الحزب والقوات، تؤدي بالضرورة وبالخبرة الى مصالحة إيرانية سعودية، يحتفل بها في الضاحية وفي معراب أولاً!    

  


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها