آخر تحديث:06:07(بيروت)
السبت 13/11/2021
share

لبنان والعراق أخوة في إيران

بسام مقداد | السبت 13/11/2021
شارك المقال :
لبنان والعراق أخوة في إيران
حين يلتقي اللبناني والعراقي والسوري ويتحدثون عن حياتهم اليومية، لم يعودوا يتحدثون، كما في الماضي، عن مشاهير فنانيهم وشعرائهم وأدبائهم، فلم تعد تتسع يومياتهم لمثل هذا الترف، بل هي تفيض بالموت والقتل والبؤس والدمار. ومن بدون كلام يمنعه الخوف والحذر المتربص بهم، يعرفون جميعاً أن ترف الأخوة في العروبة وأساطيرها لا مكان له الآن في مأساتهم الواحدة، بل هم أخوة في إيران.

محاولة قتل الكاظمي في العراق في خضم إحتجاجات المليشيات الإيرانية على أبواب المنطقة الخضراء، أو تحذيره من محاولة العودة إلى رئاسة ثانية لمجلس الوزراء، أعادت إلى اللبنانيين مشاهد مقاتل سياسيين منهم ما قبل العام 2005، وخاصة ما بعده. وهم لم يكونوا، كما العراقيين اليوم، يحاجة إلى قرارات محاكم دولية أو محلية ليتأكدوا من هوية الفاعل غير المبالي أصلاً لا بالتهم ولا بالقرارات،  بل كعادته يعلقها على مشجب إسرائيل والولايات المتحدة. وهو لا يترك مناسبة أو حدثاً ليتحدى من يظن بنفسه قادراً على محاسبته، ويقول للجميع، وبالفم الملآن، لا وقت لدي الآن للإنشغال ببؤسكم وجوعكم وقراراتكم وتهمكم، بل ليس لكم سوى أن تلوذوا ب"الصبر الإستراتيجي". فأنتم لستم أفضل من الإيرانيين أنفسهم الذين يصبرون، كما يصبر الفنزوليون والكوريون الشماليون الذين ما زالوا يصرون على الإقتداء بصبر شعوب الإتحاد السوفياتي من قبلهم 74عاماً، ريثما تتحقق الشيوعية وأساطير عدالتها وحريتها، والتي لم تترك وراءها سوى ملايين الضحايا البشرية وبلدان مدمرة وأنظمة حكم مافيوية ديكتاتورية في معظمها.

وخلافاً لمحاولة إغتيال الكاظمي آخر الشهر المنصرم التي لم تلق أي صدى إعلامي تقريباً، أحدثت المحاولة الأخيرة صدى واسعاً في الإعلام العالمي والناطق بالروسية ضمنه. وعلى ندرة عادتها في مثل هذه الحالات، نشرت "تاس" نصاً تحليلياً مطولاً عن الحدث لمراسلتها في القاهرة إستعرضت فيه تفاصيل وقائع الحدث، وحاولت أن تكشف فيه "ما الذي يمكن أن يكون وراء الهجوم على رئيس الوزراء العراقي"، وليس من يمكن أن يكون وراءه. ونقلت عن زعيم "عصائب أهل الحق" قيس الخزعلي، من دون أن تنسى التذكير بإدراج التنظيم على قائمة الإرهابيين الأميركية، قول ما كان متوقعاً وتقليديا من معسكره في الحالات المماثلة بان الولايات المتحدة خططت للعملية ونفذتها إسرائيل، وهي تستهدف النظام السياسي في العراق والدولة نفسها. كما نقلت عن موقع إعلامي عراقي قوله بأن محاولة الإغتيال قد تضمن للكاظمي رئاسة ثانية لمجلس الوزراء.

صحيفة الإزفستيا نقلت عن مستشرق توقعه بأن تعم الفوضى العراق بعد محاولة الإغتيال. وافترض المستشرق أن العراق مقبل على مرحلة من الإستقرار بعد الفوز الحاسم لحركة مقتدى الصدر في الإنتخابات الأخيرة. لكن محاولة إغتيال الكاظمي قد تؤدي إلى تدهور كبير في الوضع، سيما أن محاولة الإغتيال وقعت في ظل إحتجاجات التنظيمات الموالية لإيران، وسبقتها إشتباكات بين الراديكاليين السنة والشيعة في محافظة ديالا.

"الصحيفة المستقلة" NG توافق مع رأي المستشرق، بل ترى أن "الهجوم الإرهابي" قد يفجر الوضع في العراق وما حوله. وأشارت إلى تغريدة مقتدى الصدر بأن "القوى المعادية للدولة" تريد إعادة العراق إلى زمن الفوضى. ورأت فيها تلميحاً إلى الأحزاب الشيعية وثيقة الصلة بالشبكة المسلحة "الحشد الشعبي"، دون أن تشير إلى إرتباط الشبكة بإلحرس الثوري الإيراني.

صحيفة Kommersant عنونت نصها عن الحدث بالقول "طائرة مسيّرة في الظهر"، وتساءلت ما إن كان الكاظمي سيتمكن بعد محاولة الإغتيال من الحفاظ على الإستقرار، سيما وأن المحاولة جرت وسط إستياء القوى الحليفة لإيران من نتائج الإنتخابات. وأشارت إلى إتهام الولايات المتحدة "الحشد الشعبي" بالمسؤولية عن الحادث، ونقلت عن خبير عسكري تأكيده بأن شظايا القنابل التي عثر عليها في المكان شبيهة بتلك التي عثر عليها بعد الهجوم على السفارة الأميركية في تموز/يوليو الماضي.

ناشط وكاتب سياسي عراقي رغب في عدم ذكر إسمه، قال ل"المدن" في نص عنونه " لبنان والعراق إخوة في الرضاعة من حليب مسموم" بأن الكاظمي ليس خطيباً مفوهاً، وخطبه لا تنم عن "ذكاء كبير". ويرى أن الطائرات المسيّرة أطلقت ألسنة العراقيين الذين بلغ سيل  مليشيات ايران بهم الزبى، وتعالت الاصوات المطالبة، بوضع حد للسلاح المنفلت.

ويقول بأن طهران لم تكتف بدفع ذيولها في العراق الى تاسيس الحشد، ورفده باحدث الاسلحة، بل واخترقت كل الاجهزة الامنية والعسكرية في العراق بالموالين لها ممن يطلق عليهم ضباط الدمج، وهم ممن قاتل الجيش العراقي من الاراضي الايرانية، في حرب الثماني سنوات بين العراق وايران. وجميع هؤلاء يحملون رتبا عالية، رغم انهم لم يحصلوا على التعليم الابتدائي. وبينهم أميون يحملون رتبة فريق ركن، عاجز عن  "فك الحرف" حسب التعبير الدارج.

ورأى الكاتب العراقي أن هذا الواقع، يمثل العائق الرئيس أمام الكاظمي، للاستفادة من محاولة الاغتيال وبدء عملية واسعة لتصفية المليشيات واعتقال رؤوسها، في الاقل اولئك الذين استكثروا  عليه مسيّرة لا تزيد كلفتها  عن 300 دولار.

فقد صرح المتحدث باسم حزب الله العراق، تعليقا على الحادث، أن الكاظمي لا يستحق عناء إرسال مسيّرة لقتله، وقال بالحرف" هناك وسائل أرخص"!  إهانة إبتلعها الكاظمي، كما إبتلع قبلها الدوس بالأحذية على صوره، حين ألمح مرة بانه يخطط لمصادرة" السلاح المنفلت.

الصحافية في RT الرسمية الناطقة بالروسية يوليا يوزيك قالت ل"المدن" في نص بعنوان "بما يزعج الكاظمي إيران". وكما يشير العنوان ذهبت يوزيك المتابعة النشطة للشؤون الإيرانية مباشرة لتحميل إيران المسؤولية عن محاولة إغتيال الكاظمي. وتقول بأن الكاظمي، وخلال سنة واحدة من تسلم منصبه، تمكن من تأمين دعم ممالك الخليج وأوروبا والولايات المتحدة. ونجح في زيارة واشنطن مرتين ــــ ترامب وبايدن ـــــ في حين أن بايدن حتى لم يجرٍ إتصالاً هاتفيا برئيس الوزراء الباكستاني، ولم يتواصل مع الأمير محمد بن سلمان.

وترى أن الكاظمي يُخرج العراق من دائرة النفوذ الإيراني، وينتهك ما اعتادته إيران في تمزق العراق بينها وبين الولايات المتحدة المستمر منذ العام 2003. وتمكن في العام الحالي من تحقيق إنسحاب القوات الأميركية ، ويسعى خامنئي للحلول بالكامل محل الأميركيين.

وترى في طريقة محاولة الإغتيال إشارة واضحة لإغتيال قاسم سليماني على الأرض العراقية. وفيما لو نجحت المحاولة، كانت إيران ستقول بأنه ثأر الشيعة العراقيين لمقتل سليماني، وثأر من رغبة الكاظمي تمزيق عرى "الأخوة الإيرانية العراقية". وليس عبثاً أن يصل  خليفة سليماني على وجه السرعة إلى بغداد في اليوم الأول بعد محاولة الاغتيال، وذلك من أجل حسم المسائل مع رئيس الوزراء وعقد إجتماع عاجل مع قادة الفصائل التابعة له.

وتعتبر يوزيك أن المخابراتي المحترف الكاظمي قد تم تحذيره من محاولة الإغتيال التي كان يجري الإعداد لها، ولذلك فشلت العملية. وترى أن إيران تقوم منذ الصيف الماضي بمحاولات حثيثة للتخلص من الكاظمي، وهذا ما يفسر الإتصالات المكثفة والزيارات بين المخابرات الإيرانية ومكتب خامنئي وقوات القدس مع المعارضة العراقية. كما لا تستبعد أن تكون العملية محاولة لتخويف الكاظمي كي يستقيل وتتم إعادة النظر بالإنتخابات النيابية. وترى أن حتى مقتدى الصدر الفائز بالإنتخابات الأخيرة، هو شخصية أكثر ملاءمة لإيران لإشغال منصب رئاسة الوزراء. وتعتبر أن حديث الناطق بإسم الخارجية الإيرانية بعد العملية مباشرة عن ضرورة الحفاظ على الهدوء في العراق من أجل "تبادل السلطة" هو إشارة إلى المسعى الإيراني للتتخلص من الكاظمي.

وترى يوزيك أن أوجه الشبه واضحة بين العملية ومقتل الحريري، حتى في أن الحريري، كما الكاظمي، كان على أوثق العلاقات مع ممالك الخليج وباريس، وفي أنه لم يكن يلائم إيران وحزب الله. لذلك تم إعدامه بطريقة قاسية، وذلك من أـجل إبراز اليد الطويلة والقدرة على تنظيف البلدان الواقعة على طريق المصالح الإيرانية وإغراقها بالفوضى وإقامة أنظمتها فيها.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها