آخر تحديث:08:17(بيروت)
الأحد 10/10/2021
share

الانتخابات العراقية..دوامة البحث عن تسوية

حسن فحص | الأحد 10/10/2021
شارك المقال :

يمكن القول ان السلطة التنفيذية في النظام العراقي الجديد ما بعد عام 2003 لم تخرج من دائرة التسوية بين القوى السياسية. الامر الذي جعل من موقع رئاسة الوزراء التي تعتبر اعلى سلطة في النظام العراقي خاضعة لتجذابات القوى السياسية التي انتجتها او ساهمت في رسم معالمها وحدود دورها ومساحات نفوذها، ما جعلها في غالبية الاوقات مجرد جهاز لادارة وتنظيم مصالح القوى السياسية والمكونات العراقية، باستثناء بعض اللحظات التي شهدتها الولاية الثانية لرئيس الوزراء الاسبق نوري المالكي ما بين عام 2010 و2014. 

ففي استعراض سريع لانتاج السلطة التنفيذية واختيار رئيس الوزراء في الدولة العراقية الجديد، نجد ان جميع من وصل الى هذا الموقع وما يلحقه من قيادة عامة للقوات المسلحة لم يخرج عن قاعدة التسوية ولم يشكل استثناءا في هذا المسار الدستوري. 

وقد شكل تولي اياد علاوي رئاسة الوزراء، الاساس الذي بني عليه هذا المسار، لان التسوية السياسية التي جاءت نتيجة لعملية الانتقال من آليات مجلس الحكم نحو التأسيس لمرحلة جديدة تعيد انتاج وتكرس مؤسسات الدولة الجديدة بناء على الدستور. وعلى الرغم من السلطات التي تمتع بها علاوي في ولايته القصيرة والتي يمكن وصفها بالانتقالية، كانت واسعة وكبيرة نتيجة التوافق الذي تم بين القوى السياسية على تسهيل مهمته في قيادة المرحلة الانتقالية، والتي كانت مدعومة من الادارة المدنية الامريكية. الا ان هذه المرحلة شكلت الاساس الذي سمح للقوى السياسية في تأسيس مرتكزاتها الشعبية والسياسية والسلطوية مستفيدة ومستغلة لعبة التقاسم والتحاصص وحتى ارتفاع الاستقطاب المذهبي والقومي والاثني بين المكونات العراقية.

الانتخابات البرلمانية الاولى التي جرت في ديسمبر/ كانون اول العام 2005 والتي انتجت اول برلمان العراق السياسي الجديد مؤلف من 275 نائبا، وهو البرلمان الذي تقاسمته القوى السياسية في ظل عزوف واضح وكبير للمكون السني الذي سبق ان رفضته المحافظات التي تحسب على هذا المكون الدستور الذي سبق ان تم التصويت عليه في 15 اكتوبر من العام نفسه 2005، اذ صوتت محافظتا الانبار وصلاح الدين بغالبية الثلثين على رفضه، في حين ان النسبة في محافظة نينوى لم تصل الى هذه المستوى ما اسقط امكانية رفض الدستور الذي اشترط لاسقاطه تصويت ثلاث محافظات بغالبية الثلثين. 

في ظل هذه الاجواء تم التوافق على تكليف القيادي في حزب الدعوة الاسلامية ابراهيم الجعفري بتشيكل اول حكومة منتخبة من البرلمان الذي افرزته نتائج الاقتراع الشعبي العام والتي كانت محكومة بغياب التمثيل الحقيقي للمكون السني وبناء على تسوية بين مكونين اساسيين هما الشيعة والكرد. 

غياب التمثيل المتوازن والفاعل لكل المكونات، مهد الارضية لانفجار الحرب الداخلية التي اخذت طابعا طائفيا واضحا، وتصاعدت هذه الازمة مترافقة مع فشل كبير في اداء الحكومة المنتخبة ورئيسها، ما دفع الامور باتجاه تسوية سياسية بين القوى السياسية ادت الى استقالته من منصب رئيس الوزراء والاتفاق على تكليف نوري المالكي برئاسة الوزراء كمرحلة انتقالية الى حين اجراء الانتخابات المقبلة. وهو اختيار ساهم في تكريس الاسلام السياسي في رئاسة السلطة التنفيذية، وايضا في اعطائه حزب الدعوة لاعتبار هذا الموقع استحقاقا شعبيا له على حساب القوى السياسية الاخرى، خصوصا وانه استطاع الحصول على النسبة الاكبر من المقاعد الشيعية في البرلمان، مدعوما بشبكة تحالفات مع قوى اخرى شيعية وكردية. 

وصول المالكي الى رئاسة الحكومة في ولايته الاولى جاء اذن نتيجة تسوية سياسية لمرحلة انتقالية كانت مهمتها العمل على وقف الحرب الطائفية التي انفجرت بين المكونين الشيعي والسني. ويمكن القول ان التسويات التي عقدها المالكي والزخم السياسي والشعبي والدولي والاقليمي الذي حظي به، ساعد في اعادة ترميم العملية السياسية والبرلمانية. فنجح في ارساء تفاهمات مع الاحزاب والقوى السنية المعترضة على العملية السياسية ساعدت في تراجع حدة الاشتباك الطائفي وصولا الى تطويق الحرب الاهلية واخمادها. وبالتالي سمحت له في تعزيز قواعده الشعبية والتأسيس ليكون المنافس الابرز والاقوى للاستمرار على رأس السلطة التنفيذية. 

وعلى الرغم من العدد الكبير الذي حققه المالكي في انتخابات عام 2010 الا ان هذه النتيجة لم تسهل عليه عملية العودة الى موقع رئاسة الوزراء من دون الدخول في تسوية مع المنافس الاول له اياد علاوي الذي استطاع ان يكون ممثلا للمكون السني الى جانب القوى العلمانية في مواجهة الاسلام السياسي، وهي التسوية التي انتجها مؤتمر اربيل، والتي لم تطبق شروطها في تقاسم المناصب السيادية بينه وبين علاوي، ما ساهم في تصاعد الازمة السياسية التي ترافقت مع تراجع في اداء المالكي الذي اتهم بالاستئثار واقصاء القوى الاخرى من مختلف المكونات، والدخول في صراعات مفتوحة معها خصوصا مع المكون الكردي. وهي الولاية التي انتهت بدخول داعش وسيطرتها على ثلث مساحة العراق وتحديدا المحافظات الغربية ذات الغالبية السنية. 

وعلى الرغم من التفوق الذي حققه المالكي ايضا في انتخابات عام 2014، الا ان المستجد الامني مع داعش، دفع كل القوى والاحزاب من مختلف المكونات لرفض اعطائه ولاية ثالثة، ما اجبره على القبول بتسوية تسمح له بالاحتفاظ برئاسة الوزراء كاستحقاق لحزب الدعوة، واختيار حيدر العبادي كمرشح تسوية من هذا الحزب، الذي جاء الى هذا الموقع من موقعه كنائب اول لرئيس البرلمان المنتخب حينها. 

استطاع العبادي قيادة العراق واخراجه من حقل داعش من جهة والازمة الاقتصادية من جهة اخرى بكثير من الحكمة، واللعب بدقة على التوازنات الداخلية والدولية والاقليمية، الا ان خوف القوى والاحزاب الشيعية التي اضيف لها لاعب جديد داخل هذا المكون هو الحشد الشعبي الذي افرزته الحرب ضد داعش، من تكريس منصب رئاسة الحكومة لحزب الدعوة، وحرمانها – لهذه القوى – من الوصول الى الموقع الاول في قيادة العراق، فضلا عن الموقف السلبي للمكون الكردي منه نتيجة افشاله لمفاعيل الاستفتاء على الانفصال، يضاف اليها الحذر الايراني من الموقف المتزن الذي اعتمده في التعامل مع طهران، كلها عوامل ساهمت في ابعاده عن الولاية الثانية، الامر الذي دفع القوى السياسية للبحث عن تسوية جديدة لانتاج رئيس وزراء يقاسمونه نتيجة عدم قدرة اي منهم على حسم نتائج الانتخابات لعام 2018 لصالحه بشكل يسمح له بفرض ارادته على الاخرين. وهي التسوية التي جاءت بعادل عبدالمهدي الى رئاسة الوزراء مدعوما بتأييد ايراني واضح، دفع الاطراف الدولية خصوصا الولايات المتحدة الامريكية والدول العربية لاتخاذ موقف سلبي من الاستحواذ الايراني على المؤسسات العراقية. فضلا عن تراجع الاداء الداخلي الذي شهد تصاعدا لسيطرة وهيمنة الفصائل المسلحة المحسوبة على ايران على القرار الرسمي. ما جعل الامور تذهب الى المواجهة في الشارع في انتفاضة شعبية عرفت باسم "ثورة تشرين" وانتهت الى اقالته، ودخول العملية السياسية في مرحلة البحث عن شخصية تسووية جديدة. 

من بين الاسماء الكثيرة التي طرحت لتولي منصب رئاسة الحكومة بعد عبدالمهدي، كان لدور القوى الدولية والاقليمية الكلمة الفصل، والتي رضخت لها القوى الداخلية، ما ساعد في انتاج تسوية مشابهة للتسوية التي اوصلت عبدالمهدي الا أنها هذه المرة جاءت برئيس جهاز الاستخبارات مصطفى الكاظمي ليقود مرحلة انتقالية احد ابرز شروطها اجراء انتخابات برلمانية مبكرة. 

اليوم، اذ يشهد العراق اجراء هذه الانتخابات المبكرة، تجمع التوقعات بان صناديق الاقتراع لن تفرز فوزا ساحقا او واضحا لاي من القوى الشيعية التي تقول بحقها الحصري في تسمية الرئيس، وبالتالي فان تقارب النتائج بين هذه القوى، سيدفعها للذهاب الى التسوية كخيار لا بد ولا مفر منه، وهذه المرة وامام صعوبة اعادة ترميم البيت الشيعي، فان اي تسوية او تحالفات لهذه القوى لا بد ان تعتمد على المكونات الاخرى السنية والكردية التي سيكون لها الكلمة الفصل في ترجيح فريق على فريق شيعي، خصوصا وان حالة الانقسام بين قوى المكون الشيعي تبدو عمودية وصعبة التدوير . ما يعني ان موقع رئاسة الحكومة سيعود الى دائرة التسوية مرة اخرى، وهي تسوية قد لا تكون نتائجها لصالح استمرار الرئيس الحالي في منصبه، ما يعني دخول العملية السياسية العراقية في دوامة البحث عن شخصية جديدة قادرة على قيادة هذه التسوية باقل الخسائر الممكنة وتكون قادرة على جر جميع الاطراف الى تسوية اخرى تقوم على ضرورة التوافق حول مستقبل العراق حتى لا ينزلق نحو الانهيار والتفتت.




شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها