آخر تحديث:06:06(بيروت)
الثلاثاء 26/01/2021
share

روسيا ..في حالة الإنكار

بسام مقداد | الثلاثاء 26/01/2021
شارك المقال :

كان نهار السبت المنصرم في 23 من الجاري ، هو يوم المعارض الروسي الرئيسي ألكسي نافالني  يوم الإحتجاجات الواسعة للتضامن معه ، والدعوة لإطلاق سراحه ، بعد إعتقاله بالمطار في 17 من الجاري ، لدى عودته من رحلة العلاج من تسميمه بمستحضر "نوفيتشوك" الصيف المنصرم . فقد جرت الإحتجاجات في 122 مدينة روسية ، و78 مدينة أجنبية : من لاهاي ولندن ونيويورك غرباً ، إلى طوكيو وأستراليا شرقاً ، وضمت أكبرها في برلين حوالي 3000 شخص. 

إختلفت تقديرات عدد المشاركين في الإحتجاجات الروسية ، بين 160 ألفاً ، حسب موقع "MBH" الإخباري العائد للمعارض ميخائيل خودوركوفسكي ، و300 ألفاً ، حسب قيادة نافالني في هيئة "صندوق محاربة الفساد" . وجرت الإحتجاجات تحت شعارات كثيرة تراوحت بين  "القوة في الحرية" و"بوتين حرامي" ، و"إرحل بوتين" و"يسقط القيصر" وسواها. 

لم تمنح السلطات الروسية ترخيصاً بالإحتجاجات ، واستخدمت هذا الحظر ، إضافة إلى تهمة الإعتداء على القوى الأمنية ، ذريعة للقيام بمعظم الإعتقالات ، التي طالت حوالي 3400 شخص(40% منهم في موسكو)، ومن بينهم حوالي 300 طفل . ووجهت هيئة التحقيقات الفدرالية إلى عدد من المحتجين في مختلف المدن الروسية ، تهمة إرتكاب أعمال جرمية ، شملت الإعتداء على ممثلي السلطة والإضرار بالممتلكات وارتكاب أعمال الشغب ، وطاولت أطفالاً قاصرين . 

حركة الإحتجاجات لن تتوقف هنا ، إذ دعا منسق قيادة المناطق في حركة ألكسي نافالني إلى إحتجاجات جديدة في أنحاء روسيا ، خلال عطلة الأسبوع الجاري . 

الناطق الصحافي بإسم الكرملين دمتري بيسكوف ، شأنه شأن بوتين ، يرفض ذكر نافالني بالإسم ، وينفي عنه صفة السياسي المعارض ، ويصفه بالمدون . وحين سئل قبل الإحتجاجات عن رأي الكرملين بالإحتجاجات ، نفى أن يكون هناك إحتجاجات ، بل ثمة بعض المحرضين ، الذين يدعون إلى هذه الأعمال ، وأعمالهم "مكشوفة لنا" ، وتعرفها الأجهزة الأمنية ، التي إتخذت التدابير المناسبة حيال هؤلاء المحرضين . وعلق على الإحتجاجات بعد وقوعها بقوله ، بأن المقارنة بين عدد ، الذين شاركوا في الإحتجاجات وعدد الذين إنتخبوا بوتين وصوتوا للتعديلات الدستورية (التي صفرت عدد رئاسات بوتين) ، تبين كم هم قلة، الذين شاركوا  في الإحتجاجات ، "إلا أنهم مواطنو روسيا أيضاً" . وقال ، بأنه يحترم كل وجهات النظر ، لكنه يقف بحزم "ضد المشاركة في الأعمال المخالفة للقانون" ، حسب نوفوستي . 

ونقل موقع قناة التلفزة المعارضة "Dojd" عن بيسكوف ، إعتباره "تدخلاً أميركياً غير مباشر" ، ما كانت قد أقدمت عليه قبل الإحتجاجات السفارة الأميركية في موسكو على حسابها في تويتر، من ذكر مواقع الإحتجاجات ومواعيدها في المدن الروسية المختلفة . وقال بيسكوف ، أنه ، لو كانت روسيا قد أقدمت على نشر مثل هذا الأمر أثناء الإضطرابات في الولايات المتحدة ، لكان أثار "شعوراً من عدم الراحة" في واشنطن. وقال بأن ما نشرته السفارة هو "بالتأكيد غير مناسب"، ويُعتبر ، "تدخلاً في شؤوننا الداخلية" . ويرى فيه  تأييداً مباشراً لخرق قوانين روسيا الإتحادية ، وتأييداً "للأعمال المخلة بالقانون" .  

المعارض الروسي الشهير إيغور ياكوفنكو ، وقبل يوم من الإحتجاجات ، نشر على موقع "Kasparov" المعارض نصاً إنتقادياً لاذعاً للكرملين ، قال فيه ، بأن الوضع في روسيا وحولها ، عشية إحتجاجات دعم نافالني ، يبدو كتناقض حاد داخل البلاد قسّمها حسب العمر ، وحسب مستوى التعليم ، وحسب مصادر المعلومات (الإنترنت للشبيبة والتلفزة للآخرين) . وقال ، بأن تسميم نافالني ، ومن ثم إعتقاله ومحاكمته ، وخاصة فيلم "قصر لبوتين" (فيلم وثائقي طويل أنتجه نافالني ، تحدث فيه عن قصر لبوتين في منتجع روسي على شاطئ البحر الأسود) ، أحدثت إنفجاراً حقيقياً في شبكات التواصل الإجتماعي وعلى المنصات الرقمية . وبلغ عدد مشاهدات الفيلم على اليوتوب خلال يومين أكثر من 50 مليون مشاهدة ( بلغ 82 مليون مشاهدة في 24 من الجاري) . وأشار إلى أنه قد حصدت مشاهدات كثيفة أشرطة الفيديو، التي تصور تلامذة المدارس وهم ينزعون صور بوتين عن جدران الصفوف ، ويستبدلونها بصور نافالني ، وحصد أحدها 3,7 مليون مشاهدة ، استدعيت إلى مركز الشرطة التلميذة التي صورته . 

ويقول ياكوفنكو ، بأن الشرطة وإدارات المدن والجامعات والمدارس ، وحتى دور الحضانة ، انخرطت في نشاط محموم للحؤول دون حصول إحتجاجات 23 كانون الثاني/يناير، أو أقله خفض أعداد المشاركين فيها. ووجهت النيابة العامة الإتحادية تحذيراً لإدارات شبكات التواصل تيك توك ، ويوتيوب ، وفايسبوك ، وإنستغرام ،  والشبكة الروسية "تواصل" ، ينص على عدم السماح بخرق القوانين بمناسبة "الدعوات إلى إحتجاجات غير مرخصة". وهددت "هيئة الرقابة الروسية" إدارات شبكات التواصل بمحاضر الضبط ، والغرامات ، والحظر .

وعلق الكاتب على إنكار بيسكوف لوجود إحتجاجات ، وإنكار ملكية بوتين للقصر ، الذي عرضه نافالني في فيلمه الوثائقي ، وسابقاً إنكار وجود مرتزقة روس في الدونباس (كما في سوريا وليبيا أيضاً) ، وقال بأن الإنكار أصبح السمة المميزة للكرملين ، ويعكس ذلك الخواء ، وغياب أي معنى وأجندة إيجابية لدى حكام روسيا الحاليين . 

ويذكّر إنكار الكرملين هذا للوقائع المعروفة من الجميع بنكتة روسية قديمة تقول ، بأن معلمة مدرسة طلبت من تلامذتها تذكر كلمات تبدأ بحرف الميم . عدد كل من التلامذة الكلمات ، التي يتذكرها ، وتذكر أحدهم كلمة "مؤخرة" ، فنهرته المعلمة ، وقالت غاضبة : "ما في هيك كلمة" . جلس التلميذ وهو يتمتم : "غريب ، مؤخرة في ، بس كلمة ما في" . لا وجود إحتجاجات ، والإحتجاجات في شوارع سائر المدن الروسية ، قصر بوتين ، ليس لبوتين ، لا وجود للمرتزقة ، والمرتزقة يقتلون ويدمرون، ويعودون إلى مواطنهم جثثاً في توابيت الزنك.  

موقع الإذاعة الروسية الشهيرة "صدى موسكو" ، نشر لخبير برنامج "السياسة الإقتصادية" في "مركز كارنيغي" موسكو أندريه موفتشان نصاً بعنوان "نافالني يضرب في الخواء" . يقول الخبير ، بأن الروس يتساءلون هذه الأيام ، لماذا جرى تسميم نافالني على هذا النحو الغريب ، وغير الناجح ؟ ولماذا لم تتخلص  السلطة من نافالني بالطريقة المعهودة : رصاصة على جسر أو في مدخل مبنى (إغتيال زعيم المعارضة السابق نمتسوف على جدران الكرملين) ، عراك في زقاق ، فأس جليد في الرأس (مقتل تروتسكي على يد عملاء ستالين) ؟ لماذا تجهد السلطة في صناعة "سمعة"  نافالني ، من دون الإلتفات إلى رأي المجتمع الروسي والعالمي ، وتجاهل القوانين والقواعد ؟ 

وبعد أن يجيب موفتشان على هذه الأسئلة  بأسئلة مضادة حول ضآلة عدد المشاركين في الإحتجاجات ، على الرغم من كثافة مشاهدات أشرطة الفيديو ، التي ينتجها . ويقول وكأنه ينصح نافالني ، بأن "فالج لا تعالج" ، ويخاطبه بقوله ، أنه بالنسبة لمعظم الروس، هو شخص يتلهف للوصول إلى السلطة  للمشاركة في مغانمها . ويؤكد ، بأن ، الفساد في روسيا هو القاعدة تاريخياً تاريخياً ، والسرقة ليست جريمة . ويقول ، بأن في روسيا طبقات بكاملها فاسدة حتى العظم  : المدرسون يتقبلون الهدايا ، الأطباء يحصلون على بدلات أتعابهم خفية في الجيب ( على إفتراض مجانية الطب في روسيا) ، الموظفون لم يكونوا ليعيشون لولا الرشاوى ، 30% من الناتج الروسي الإجمالي إقتصاد ظل . 

ويرى ، بأن الروس يعتبرون محاربة الفساد حسداً ، وليس إدانة له ، ولذا يعتبر أن نافالني يضرب في الخواء ، تماماً مثل إستنكار الكلمات البذيئة في زمرة قبضايات . 


   


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها