آخر تحديث:08:30(بيروت)
الأربعاء 27/01/2021
share

ذكرى يناير: لا نهاية أكيدة

شادي لويس | الأربعاء 27/01/2021
شارك المقال :
ذكرى يناير: لا نهاية أكيدة من الاحتفالات بالذكرى الثالثة لثورة يناير (2014 - غيتي)

الذكرى وثيقة للحقيقة، لتشييدها، بمعنى أدق، من لملمة أجزاء الماضي المتفرقة. نظريات السياسة ترسمها ساحة للصراع على أرشيفات التاريخ الحي، من دم ولحم، بين المنتصرين والمهزومين. لكن هذا ليس كل شيء. ما بقى من مصافي الذاكرة البطيئة، عبر تمارين التأمل واستخلاص المعنى الجبري، هي محاولة لاستحضار الماضي، لمدّه حاضراً مشحوناً بوهج المرة الأولى، يُعاش مرات ومرات. لكن الذكرى أيضاً اعتراف نهائي بالخسارة، لا رجعة فيه، خسارة وجودية، لا هزيمة بمعنى السياسة، أي صك للفقد المزدوج، تدفق الزمن نفسه من بين أيدينا، وتبدد ما حدث بين علاماته المتتالية، إدراك بسيط لوضعنا البشري ومحدوديته. هكذا الذكرى، هي العلاقة الملتبسة والمراوغة، بين امتدادات الزمن تلك وقطيعته مع نفسه، عن بقاء آثار فعلنا الجمعي وفنائنا كآحاد.

عشرة أعوام مرت على يناير، والعقد زمن طويل، في عمر الفرد، وفي عمر الجماعة، أطفال كانوا في العاشرة أضحوا اليوم في عشرينياتهم، وأبناء جيلي، مَن كانوا بين صفوف ثورته في زهو الشباب الثلاثيني، يتقدمون الآن بوقار ومرارة التجربة إلى عتبة كهولتهم وما بعدها. معايير الوقت أداة البشر لفرض المعنى على حركة الزمن. الأسبوع أساسه إلهي، من وصية السبت التي ورثتها الأديان الإبراهيمية، الأيام والشهور والسنين تستمد قوتها من عوالم فيزياء الطبيعة، حركة الأفلاك ونجومها. وحده النظام العشري، أساس قياس العقود والقرون، يتمركز حول البشر أنفسهم، العد على أصابع اليدين. العشرية علامة أنسنة القياس والحساب والزمن، أن يكون جسد البشر الهش والمؤقت، معيار تدفق الوجود ووحدة متابعة حركته. الأصابع العشرة ونظامها العددي علامة وصول الفردي إلى منتهاه، تجاوز نفسه إلى أفق الجماعي، إلى الأيادي الكثيرة بمضاعفات عشراتها.

في ذكرى يناير هذه المرة، القليل من اجترار الذكرى وتكرار الأفكار القديمة، بل استعادة للثورة كـ"حدث" بالمعنى الفلسفي للكلمة، المعنى المابعد حداثي كي نكون أدق. يحتفل التلفزيون الرسمي بعيد الشرطة، لكن من اختبروا الثورة، يكتبون عنها كنقطة تحول، ومضة كشف صوفي، استنارة معجزية للوعي، يؤرخون لأعمارهم قبلها وبعدها. الحدث مفاجئ وجياش، هو لب الحقيقة البشرية كما يراها آلان باديو، في الحب كما في الثورة، تنسجه المفاجآت والمجازفة، لتفتح أفقاً لأكثر الاحتمالات التي يقدمها التاريخ جذرية ودماراً. الحديث عن الثورة بصيغة المفرد، كما تقودنا اللغة عادة، يجب ألا يدعنا نتصور "يناير" واحدة، الثورة تعددية، بعدد الأفراد الذين شاركوا فيها وأثّرت فيهم، في الحاضر والمستقبل أيضاً.

في جانب منه، الحدث هو مواجهة تفاهة الأمر الواقع وخوائه، قفزة في الفراغ ضد قوانين الطبيعة لكنها تسلمنا لها في الوقت ذاته. تورُّطنا فيه هو المغامرة الإنسانية مع الوجود، والشجاعة الاستثنائية التي يتطلبها ذلك. ومع عفويته، لا يخرج الحدث من العدم بل تكمن مصادره في بنية الواقع. أما الذاتية المنسوبة إليه، فليست فردية كما تبدو، بل على العكس، هي التحرر من ذواتنا الصغيرة، بتجاوزها، والاندماج في جسد سياسي واحد، مكون من آلاف وملايين الذوات الأخرى، التي خاضت الحدث الثوري وتوحدت فيه وبه.

يمكننا أن ننكر يناير، أن نخطئ في فهم معناها أو أن نجزم بهزيمتها، البُعد الإنساني للحدث يضيع لو تصورنا أن له حقيقة نهائية ومحدودة وواضحة بحسابات الربح والخسارة السياسية. لا نهاية أكيدة للحدث، هو الإمكانية المتاحة للكشف عن أفضل ما في داخلنا وأكثره سمواً، والعكس، الإمكانية التي انفتحت وتظل مفتوحة دائماً. الذكرى هنا، إخلاص لتلك لحقيقة، الإخلاص كما تصفه فلسلفة باديو، أي أن نلزم أنفسنا بالعواقب الممزقة للحدث، الاستمرار والمتابعة على الطريق الذي يفتحه أمام وعينا، أي الإيمان العملي والمعاش والبسيط بأننا قادرون على المجازفة دائماً بمحاولة تغيير العالم.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

شادي لويس

شادي لويس

كاتب وباحث مصري

مقالات أخرى للكاتب